الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 31، 2026

الصحافة الثقافية ضد السرعة والنسيان "العلم نموذجا" عبده حقي


كلما تصفحت عددًا ثقافيًا جادًا شعرت أنني لا أقرأ صفحات إضافية في جريدة، بل أدخل إلى منطقة أخرى من الصحافة، منطقة لا تُقاس قيمتها بسرعة الخبر، ولا بعدد المشاهدات، ولا بقدرتها على إثارة ضجيج عابر، وإنما بقدرتها على إبقاء السؤال حيًا في ذهن القارئ. وهذا بالضبط ما شعرت به وأنا أتنقل بين صفحات العدد الثقافي الأخير من جريدة «العلم»، الصادر يوم الخميس 22 أكتوبر 2026. لم أجد نفسي أمام مجرد تجميع لمقالات ودراسات ونصوص، بل أمام خريطة ثقافية تتقاطع فيها الذاكرة المغربية مع الأدب العالمي، ويتجاور فيها أدب الطفل مع رامبو، وتتحاور فيها طنجة مع الأسطورة، وتلتقي القصيدة بالكاليغرافيا، ويقف أبو تمام غير بعيد عن ت. س. إليوت، بينما تفرض الصورة الافتراضية والذكاء الاصطناعي أسئلتهما الجديدة على الفن والحقيقة والذاكرة.

ما شدني في هذا العدد ليس فقط تنوع مواده، بل الفكرة الضمنية التي تنتظم هذا التنوع: الثقافة ليست غرفة خلفية في المجتمع، وليست ترفًا صحفيًا يوضع في الصفحات الأخيرة، بل هي المكان الذي نختبر فيه معنى التحولات التي نعيشها. من هنا بدت لي الصفحات وكأنها تتحرك في اتجاه واحد رغم اختلاف موضوعاتها، اتجاه مساءلة ما يحدث للإنسان حين تتغير لغته وصورته وقراءته وذاكرته وطفولته وعلاقته بالتراث.

في الصفحات الأولى من العدد وجدتني أمام قضية طالما اعتبرتها من أكثر القضايا الثقافية حساسية: أدب الطفل في المغرب. ليست المسألة هنا بسيطة كما قد تبدو. فالطفل الذي نكتب له اليوم ليس هو الطفل الذي كنا نتصوره قبل نصف قرن. إنه طفل يعيش وسط الشاشة، وبين الألعاب الرقمية، والفيديوهات القصيرة، والمنصات، والخوارزميات التي تتعلم اهتماماته أسرع أحيانًا مما يتعلمها والداه ومدرسته. ولذلك فإن العودة إلى ذاكرة أدب الطفل المغربي ليست مجرد وفاء للماضي، بل هي اختبار لقدرتنا على فهم التحول.

حين تُستعاد أسماء مثل عبد الله كنون وعلاّل الفاسي وأحمد بوكماخ ومحمد الصباغ، فنحن لا نستعيد شخصيات أدبية فقط، بل نستعيد لحظة كان فيها بناء الطفل جزءًا من مشروع ثقافي وطني. كانت الكتابة الموجهة إلى الصغار تنطلق من فكرة أن اللغة والتربية والخيال مكونات أساسية في تكوين الإنسان. غير أن المشهد اليوم أكثر تعقيدًا. لم يعد الكتاب وحده يصوغ المخيلة، ولم تعد المدرسة وحدها تنتج المعرفة، ولم يعد الكاتب يحتكر الحكاية. وهنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه عليّ: هل استوعب أدب الطفل المغربي هذا التحول فعلًا؟ أم أنه ما زال في كثير من نماذجه يخاطب طفلًا لم يعد موجودًا إلا في ذاكرة الكبار؟

إن قيمة الصفحات المخصصة لهذا الموضوع تكمن في أنها تفتح هذا الجرح بهدوء. فالحديث عن تحديث أدب الطفل لا يعني إضافة بعض الألوان والصور فقط، بل تغيير النظرة إلى الطفل نفسه. يجب أن نراه كقارئ ذكي، ناقد، قادر على المقارنة، سريع الانتباه وسريع الملل في آن. ويجب أن نعترف بأن المنافس الحقيقي للكتاب لم يعد كتابًا آخر فقط، بل منظومة كاملة من الصور والحكايات الرقمية والمحتوى المتدفق بلا توقف.

ومن الطفل انتقل العدد إلى الشعر، ولكن ليس الشعر بمعناه التقليدي وحده، بل الشعر حين يغادر خطه الأفقي المعتاد ويصبح صورة أيضًا. وقد استوقفني ملف الشعر والكاليغرافيا لأنه يعيد النقاش إلى سؤال قديم متجدد: هل القصيدة مجرد كلمات، أم أن شكل ظهورها جزء من معناها؟ حين يدخل الخط العربي والبياض والتوزيع البصري إلى بنية القصيدة، فإننا نكون أمام تحوّل في طبيعة القراءة نفسها. القارئ لا يقرأ النص فقط، بل يراه.

وهذا التحول مهم لأن الشعر العربي والمغربي خصوصًا لم يعد منذ عقود أسير البيت الشعري والوزن التقليدي. لقد خاض تجارب حرة كثيرة، وفتح لغته على التشكيل والصورة والفضاء الأبيض. غير أن الكاليغرافيا تضيف مستوى آخر: الحرف نفسه يصبح جسدًا. يصبح للكلمة حجم واتجاه ومساحة وصمت. ويصبح البياض عنصرًا دلاليًا، لا مجرد فراغ.

أنا شخصيًا أجد هذا النوع من التجريب مهمًا حين يكون نابعًا من حاجة داخلية في النص، لا من رغبة في الزخرفة. فالمشكلة في الشعر البصري ليست في التجريب نفسه، بل في أن يتحول التجريب إلى حيلة شكلية. وحين يكون الشكل جزءًا من الرؤية يصبح النص أكثر ثراء، أما حين يكون غطاءً على فراغ لغوي فإنه يفقد مبرره سريعًا. ولهذا وجدت أن تناول العلاقة بين الشعر والكاليغرافيا في العدد يطرح سؤالًا أوسع عن مستقبل القصيدة العربية في عصر الصورة.

ثم تأخذنا الصفحات إلى طنجة، وهذه المدينة لا يمكن أن تمر في الثقافة المغربية مرور مدينة عادية. طنجة دائمًا أكثر من مكان. هي جغرافيا وحدود وممر وبحران وأسطورة وذاكرة دولية. ولذلك فإن تناولها من أفق فلسفي يبدو لي مناسبًا لطبيعتها. حين نقرأ طنجة عبر الأساطير، وعبر هرقل، وعبر موقعها بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين إفريقيا وأوروبا، فإننا نكتشف أن المدن الكبرى في الوعي لا تتكون فقط من الإسمنت والشوارع، بل من القصص التي تُروى عنها.

طنجة بالذات مدينة صنعت حول نفسها طبقات من التخيل. مرّ بها أدباء وفنانون ومغامرون وكتاب ومهاجرون، وعاشت لفترة وضعًا دوليًا منحها خصوصية استثنائية. ولذلك فإن سؤال الهوية فيها لا يكون بسيطًا. هل المدينة مغربية فقط؟ بالتأكيد. لكنها في الوقت نفسه مغربية بطريقة خاصة، لأنها صاغت مغربيتها من خلال الاحتكاك المستمر بالعالم. وهذا هو الدرس الذي يعجبني في مثل هذه القراءات: الهوية القوية لا تخاف من التعدد.

ومن طنجة نصل إلى رامبو. وهنا يتحول العدد من سؤال المكان إلى سؤال الصمت. رامبو، الشاعر الذي كتب في سن مبكرة ما يكفي لكي يهز تاريخ الشعر الفرنسي ثم قرر أن يغادر الشعر. هذه المفارقة ظلت دائمًا واحدة من أكثر ألغاز الأدب إثارة. لماذا يتوقف شاعر كبير عن الكتابة؟ هل انتهت تجربته أم اكتملت؟ هل خان الشعر أم أوفى له حتى النهاية؟

أجد أن أجمل ما في استعادة رامبو هو أنها تعيدنا إلى فكرة أن الصمت يمكن أن يكون جزءًا من الكتابة. نحن نعيش اليوم في زمن يضغط على الكاتب لكي ينتج باستمرار، ينشر باستمرار، يعلّق باستمرار، يظهر باستمرار. الصمت أصبح شبه جريمة في عصر الشبكات. لكن رامبو يضعنا أمام احتمال آخر: ماذا لو كان التوقف نفسه فعلًا أدبيًا؟ ماذا لو كانت بعض التجارب تصل إلى لحظة لا يكون بعدها الكلام إلا تكرارًا؟

لا أقول إن على الكتّاب أن يقلدوا رامبو ويهجروا الكتابة، ولكن قصته تذكرنا بأن القيمة لا تُقاس بعدد الكتب. لقد ترك نصوصًا قليلة نسبيًا، لكنها غيرت حساسية شعرية كاملة. وهذه رسالة مؤلمة أحيانًا لمن يعتقد أن الوفرة وحدها تصنع الأثر.

ومن رامبو إلى الصورة الافتراضية، وهنا يتغير الزمن فجأة. نحن لم نعد في القرن التاسع عشر، بل في قلب أكثر أسئلة الحاضر سخونة. الصورة اليوم لم تعد دليلًا بريئًا على وقوع شيء. أصبح بالإمكان أن نصنع وجهًا لم يوجد، ومشهدًا لم يقع، وصوتًا لم يُقل، وحدثًا كاملًا من العدم. ولذلك فإن التفكير في «أثر الصورة الافتراضية» لم يعد شأنًا تقنيًا، بل أصبح سؤالًا فلسفيًا وأخلاقيًا وسياسيًا.

هذه من أكثر قضايا العدد التي أشعر أنها تمس مستقبلنا المباشر. لقد تربينا على فكرة أن «الصورة لا تكذب»، ثم اكتشفنا أنها ربما تكون أكثر الوسائط قابلية للكذب في المستقبل. الذكاء الاصطناعي لا يغير أدوات الفن فقط، بل يغير معنى الشهادة ومعنى الدليل ومعنى الذاكرة. ماذا يحدث حين تنتشر صورة لحدث لم يقع، ويصدقها الملايين؟ ماذا يحدث حين يصبح من الصعب التفريق بين الوثيقة والمحاكاة؟

لكنني لا أرى الأمر من زاوية الخوف وحدها. التقنية تفتح أيضًا إمكانات مذهلة أمام الفنانين والمبدعين. المشكلة ليست في الأداة، بل في السياق الأخلاقي والقانوني والثقافي الذي يحكم استعمالها. ولذلك فإن المطلوب ليس شيطنة الصورة الاصطناعية، بل بناء ثقافة بصرية جديدة تجعل القارئ والمتلقي أكثر حذرًا ونقدًا.

ومن الصورة ينتقل العدد إلى القراءة، عبر الحوار مع الكاتب الأرجنتيني إدواردو بيرتي. وهنا يعود السؤال الثقافي إلى جوهره: كيف نقرأ؟ أحببت هذا السؤال لأننا غالبًا نحتفي بالكتب وننسى القارئ. نتحدث عن الإنتاج والنشر والجوائز، لكننا لا نتوقف بما يكفي عند فعل القراءة نفسه. هل هناك طريقة صحيحة واحدة للقراءة؟ أم أن الكتاب الواحد يمكن أن ينتج عشرات التجارب بحسب القارئ والطريقة والظرف؟

فكرة «طرائق رديئة من أجل قراءات جيدة» تحمل في ذاتها مفارقة جذابة. أحيانًا تكون الطريقة غير المألوفة هي التي تكسر عاداتنا وتسمح لنا برؤية النص من جديد. قد نقرأ كتابًا من منتصفه، أو نتتبع كلمة بعينها، أو نقارن نهايات الفصول، أو نقرأه مع مجموعة، أو نعيده بعد سنوات. القراءة ليست اختبارًا مدرسيًا دائمًا. يمكن أن تكون لعبة واكتشافًا ومقاومة.

وهنا أجد أن هذا الحوار مهم جدًا في زمن القراءة السريعة. نحن اليوم نمر فوق النصوص أكثر مما ندخل فيها. نستهلك الأخبار والعناوين والمنشورات، وقد نظن أننا نقرأ، بينما نحن في كثير من الأحيان لا نفعل أكثر من المسح البصري السريع. لذلك فإن استعادة القراءة كتجربة بطيئة وتجريبية تبدو لي شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية.

وفي الصفحات التالية يظهر التراث الثقافي المنقول، وقضية التنقيب السري والاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية. قد يبدو هذا الموضوع بعيدًا عن الشعر والقراءة والذكاء الاصطناعي، لكنه في الحقيقة يقع في قلب السؤال نفسه: ماذا نفعل بذاكرتنا؟

القطعة الأثرية ليست حجرًا قديمًا فقط. إنها وثيقة عن مجتمع وحضارة ومرحلة من تاريخنا. وحين تُنهب وتباع وتخرج من سياقها، فإننا لا نفقد مادة متحفية فحسب، بل نفقد جزءًا من قدرتنا على رواية تاريخنا بأنفسنا. لذلك فإن حماية التراث ليست ترفًا ولا شأنًا متخصصًا يهم علماء الآثار وحدهم. إنها قضية سيادة ثقافية.

لقد أصبح تهريب الآثار جزءًا من سوق دولية هائلة، وقد ساعدت التكنولوجيا نفسها على توسيع شبكات البيع والتداول. هنا تتقاطع مرة أخرى أسئلة الماضي مع أدوات الحاضر. ولذلك فإن التشريع والتوثيق الرقمي والتنسيق المؤسساتي والتوعية كلها عناصر لا غنى عنها إذا أردنا حماية الذاكرة المادية للبلاد.

ثم يأتي عبد الفتاح كليطو في الصفحة الأخيرة من هذا المسار، وكأن العدد أراد أن يختم رحلته بالعبور بين لغتين وزمنين وثقافتين. «بين أبي تمام وإليوت» ليس مجرد جمع لاسمين كبيرين، بل هو نموذج لطريقة كليطو في التفكير: التراث ليس مغلقًا، والحداثة ليست قطيعة تامة. النصوص يمكن أن تنظر إلى بعضها عبر القرون.

هذا بالضبط ما نحتاج إليه في ثقافتنا العربية: أن نخرج من الثنائية الساذجة بين القديم والجديد. أبو تمام ليس عدوًا لإليوت، وإليوت ليس نقيضًا للتراث العربي. القارئ الحقيقي يستطيع أن يحمل الاثنين معًا، وأن يكتشف أن الأسئلة الكبرى في الشعر قد تتغير لغاتها لكنها لا تختفي.

حين أضع العدد كله أمامي، أكتشف أن قيمته الحقيقية ليست في كل مادة منفردة، بل في الحوار غير المباشر بين مواده. أدب الطفل يسأل عن المستقبل، والتراث يسأل عن الماضي، والصورة الافتراضية تسأل عن الحقيقة، والقراءة تسأل عن المعنى، والشعر يسأل عن الشكل، وطنجة تسأل عن المكان، ورامبو يسأل عن الصمت، وكليطو يسأل عن العبور بين الثقافات.

وهذه في رأيي وظيفة الصحافة الثقافية في أفضل حالاتها. ليست مهمتها أن تخبرنا فقط بأن كتابًا صدر أو مهرجانًا افتُتح. وظيفتها أن تمنحنا مساحة نفكر فيها خارج إيقاع الأخبار العاجلة. في عالم تسيطر فيه السرعة، تصبح الصفحة الثقافية مكانًا للدفاع عن البطء. وفي عالم يحتفي بالاختصار، تدافع هي عن التعقيد. وفي عالم يغرق في الصورة، تذكرنا بقيمة اللغة. وفي عالم يستهلك الماضي كحنين والمستقبل كدعاية، تحاول أن تصنع بينهما حوارًا.

من هنا أرى أن هذا العدد الثقافي من «العلم» يكتسب قيمته من إصراره على إبقاء هذه المساحة مفتوحة. قد نختلف مع بعض الآراء، وقد نفضل مادة على أخرى، لكن الأهم أن هناك فضاءً ما يزال يعتقد أن القارئ قادر على متابعة نص طويل، وأنه يريد أكثر من خبر سريع.

وأنا أكتب هذه الكلمات لا أستطيع أن أفصل إعجابي بالعدد عن قلقي على مصير الصحافة الثقافية نفسها. لقد تقلصت الصفحات الثقافية في صحف كثيرة، وأصبحت الثقافة أحيانًا ملحقًا موسميًا أو مادة ثانوية. لكنني أعتقد أن المجتمع الذي يفقد صحافته الثقافية يفقد جزءًا من قدرته على التفكير في نفسه.

الثقافة لا تحل محل السياسة ولا الاقتصاد، لكنها تمنحهما معنى. هي التي تسأل ماذا نفعل بالتقدم، وماذا نخسر في الطريق، وكيف نحمي الذاكرة، وكيف نربي الطفل، وكيف نقرأ، وكيف نكتب، وكيف ننظر إلى الصورة، وكيف نتعامل مع اختلافنا ومع العالم.

لهذا خرجت من هذا العدد بانطباع واحد واضح: ما زالت الصفحة الثقافية قادرة على أن تكون مكانًا حيًا، إذا رفضت التحول إلى واجهة مناسبات، وإذا حافظت على حقها في السؤال والنقد والتجريب.

وبين الطفل الذي يتعلم أول حكاية، والشاعر الذي يغير شكل القصيدة، والمدينة التي تعيد التفكير في تاريخها، والكاتب الذي يختار الصمت، والصورة التي تهدد يقيننا بالحقيقة، والقارئ الذي يبحث عن طريقة جديدة للقراءة، والباحث الذي يحمي أثرًا من السرقة، وكليطو الذي يضع أبا تمام إلى جوار إليوت، تمتد أمامنا خريطة واحدة: خريطة الثقافة حين تكون يقظة.

وأنا، ككاتب مغربي، لا أريد للصحافة الثقافية أكثر من ذلك، ولا أقل: أن تظل يقظة.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: