الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 06، 2026

المغرب : حضور إفريقي في قلب النقاش العالمي حول الأمن والعدالة الدولية


سجّل المغرب حضوراً دبلوماسياً جديداً داخل المؤسسات متعددة الأطراف بانتخابه، ممثلاً في السفير عز الدين فرحان، الممثل الدائم للمملكة لدى المنظمات الدولية في فيينا، نائباً لرئيس المؤتمر الخامس عشر للأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، باسم المجموعة الإفريقية، خلال افتتاح أشغال المؤتمر في أبوظبي يوم 26 شتنبر 2026. واستمرت الدورة إلى فاتح أكتوبر، بمشاركة حكومات ووزراء ومسؤولين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني من مختلف مناطق العالم.

ولا يتعلق الأمر بمنصب بروتوكولي معزول، بقدر ما يندرج ضمن تركيبة مكتب المؤتمر الذي يقوم على تمثيل المجموعات الجغرافية للدول الأعضاء. وتؤكد محاضر الأمم المتحدة أن المجموعة الإفريقية كانت ممثلة في مواقع نواب الرئيس بعدد من البلدان، من بينها المغرب وبوركينا فاسو وكوت ديفوار ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا. ومن ثم فإن دلالة انتخاب المملكة تتمثل أساساً في حضورها داخل الهيئة المسيرة للمؤتمر وفي تمثيلها للمجموعة الإفريقية ضمن فضاء أممي يناقش واحداً من أكثر الملفات الدولية تعقيداً: الجريمة العابرة للحدود، ومستقبل العدالة الجنائية، وسيادة القانون في العصر الرقمي.

مؤتمر عالمي في زمن تحولات الجريمة

انعقد المؤتمر الخامس عشر تحت شعار يرتبط بتسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون، وحماية السكان والكوكب وتحقيق أجندة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي. والمؤتمر الأممي لمنع الجريمة والعدالة الجنائية ليس اجتماعاً تقنياً عابراً، بل يعود تاريخه إلى سنة 1955 ويُعقد كل خمس سنوات، ويعد من أكبر المنتديات الدولية التي تجمع صناع السياسات والخبراء والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والباحثين المتخصصين في الجريمة والعدالة.

وجاءت دورة أبوظبي في سياق عالمي يتغير فيه مفهوم الجريمة نفسه بسرعة كبيرة. فلم تعد الدول تواجه فقط الأشكال التقليدية للإجرام، بل جرائم سيبرانية، وشبكات منظمة عابرة للحدود، واتجاراً بالبشر، وجرائم مالية متطورة، واستعمالات إجرامية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالأصول الرقمية وغسل الأموال والجرائم البيئية. وهي تحديات تجعل التعاون القضائي والأمني الدولي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وقد اعتمد المؤتمر في افتتاحه إعلان أبوظبي بوصفه وثيقته السياسية والاستراتيجية المركزية للسنوات المقبلة، ويرتكز على محاور تشمل الوقاية وبناء القدرة على الصمود، والعدالة وسيادة القانون، والتهديدات الإجرامية المتطورة والمتداخلة، ثم الابتكار والتعاون الدولي.

المغرب: الأمن والعدالة والتنمية مسارات مترابطة

خلال الجزء رفيع المستوى من المؤتمر، شكر السفير عز الدين فرحان الدول المشاركة على الثقة الموضوعة في المغرب بانتخابه نائباً للرئيس باسم المجموعة الإفريقية، وربط المسؤولية الجديدة بالتزام المملكة تجاه القارة الإفريقية، مؤكداً أن الأمن والعدالة والتنمية تشكل أبعاداً مترابطة.

كما قدم الموقف المغربي تصوراً للعدالة لا يتوقف عند معاقبة مرتكبي الجرائم، وإنما يمتد إلى الوقاية، وحماية الضحايا، وجبر الضرر، وإعادة الإدماج وبناء الثقة في مؤسسات العدالة. وأشار العرض المغربي إلى عدد من الأوراش الوطنية، من بينها تطوير الآليات المؤسساتية والتشريعية، وحماية النساء والأطفال وضحايا العنف، وتفعيل العقوبات البديلة، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الضحايا.

هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة داخل السياق الدولي الراهن، لأن النقاش الأممي لم يعد يختزل الأمن في تكثيف العقوبات أو توسيع أدوات الردع. الاتجاه المتزايد داخل السياسات الجنائية الحديثة يقوم على بناء أنظمة قادرة على منع الجريمة قبل وقوعها، وتحليل البيانات، وتحديد عوامل الخطورة، وتقليص العودة إلى الجريمة، مع المحافظة في الوقت نفسه على الحقوق والحريات.

الوقاية المبنية على البيانات

وخلال جلسات المؤتمر، عرض الوفد المغربي جانباً من التجربة الوطنية في مجال الوقاية من الجريمة، مشيراً إلى اعتماد مقاربة قائمة على الأدلة والبيانات، وإحداث المرصد الوطني للإجرام من أجل جمع المعطيات وتحليلها وإجراء الدراسات بشأن تطور الظواهر الإجرامية.

وشدد المغرب على أن الوقاية ينبغي أن تصبح مدخلاً أساسياً للسياسة الجنائية، سواء عبر استباق ارتكاب الجرائم أو عبر تقليص حالات العود. كما أبرز أهمية الجمع بين الأبعاد الأمنية والاجتماعية والقضائية في معالجة الظاهرة الإجرامية، بدلاً من الاكتفاء بالمقاربة العقابية التقليدية.

وفي جلسة أخرى، أكد المغرب أن فعالية نظام العدالة الجنائية لا تقاس فقط بقدرته على التصدي للجريمة، وإنما كذلك بقدرته على حماية الكرامة الإنسانية، وضمان المحاكمة المنصفة، وحماية الضحايا، وتيسير الولوج العادل إلى العدالة، مع إقامة توازن بين أمن المجتمع وحماية الحقوق والحريات.

مراكش محطة سبقت أبوظبي

انتخاب المغرب داخل مكتب المؤتمر لا يمكن فصله عن مشاركته في المسار التحضيري للدورة الخامسة عشرة. فقد احتضنت مراكش من 23 إلى 25 أبريل 2025 الاجتماع الإقليمي التحضيري لغرب آسيا، والذي ناقش التحديات الجديدة المرتبطة بالجريمة والعدالة الجنائية.

وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن الاجتماع تناول، من بين موضوعات أخرى، الجرائم السيبرانية والاستخدام الإجرامي للذكاء الاصطناعي، وضرورة تقوية التعاون الدولي في المجال الجنائي وتحديث أدوات العدالة لمواكبة التحولات التكنولوجية.

وبذلك تحولت مراكش قبل مؤتمر أبوظبي إلى إحدى المحطات التي ساهمت في بلورة التوصيات الإقليمية المقدمة إلى المؤتمر العالمي، وهو ما منح المشاركة المغربية استمرارية تمتد من المرحلة التحضيرية إلى المساهمة في إدارة أعمال المؤتمر نفسه.

المغرب يدعو إلى تعاون قضائي قابل للتنفيذ

ومن أبرز المواقف التي قدمها الوفد المغربي خلال دورة أبوظبي الدعوة إلى الانتقال بالتعاون الدولي من مستوى الإرادة السياسية العامة إلى آليات عملية قابلة للتطبيق.

ففي جلسة خصصت لتعزيز التعاون والشراكات والمساعدة التقنية والتكوين، دعا هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، إلى تحويل التوافق الدولي بشأن مكافحة الجريمة إلى إجراءات ميدانية تتيح تبادل المعلومات والخبرات، وتطوير التعاون الأمني والقضائي، ورفع قدرة الدول على مواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

هذه النقطة تبدو محورية لأن الطبيعة الجديدة للجريمة تجعل الحدود الوطنية أقل قدرة على احتواء مخاطرها. فشبكة احتيال إلكتروني يمكن أن تدير عملياتها من دولة، وتستهدف ضحايا في دولة ثانية، وتحوّل الأموال عبر دولة ثالثة. ولذلك تصبح سرعة التعاون القضائي، وتبادل الأدلة الرقمية، والمساعدة القانونية المتبادلة، وتأهيل القضاة والشرطة والنيابات العامة، مكونات مركزية لأي سياسة فعالة.

حضور إفريقي

يحمل انتخاب المغرب باسم المجموعة الإفريقية بعداً قارياً أيضاً. فإفريقيا تواجه تحديات متشابكة ترتبط بالجريمة المنظمة والإرهاب والاتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات والجريمة الإلكترونية والتدفقات المالية غير المشروعة، إلى جانب تفاوت القدرات التقنية والقضائية بين الدول.

ومن هذا المنظور، يتيح وجود بلدان إفريقية داخل مكتب المؤتمر مساحة إضافية لعرض أولويات القارة داخل النقاش الأممي، خصوصاً في ما يتعلق بالمساعدة التقنية، وبناء قدرات مؤسسات العدالة والأمن، والاستفادة من التكنولوجيا، وتقوية التعاون بين الدول الإفريقية نفسها.

وقد أعلن المغرب خلال مؤتمر أبوظبي أنه يدرس إمكانية الترشح لاستضافة إحدى الدورات المقبلة للمؤتمر الأممي، رابطاً هذه الرغبة بالسعي إلى إبراز أولويات إفريقيا وإسماع صوت القارة في مواجهة تحديات أمنية وتنموية عابرة للحدود.

مسؤولية تتجاوز رمزية الانتخاب

من الناحية الصحفية، يمكن قراءة انتخاب المغرب نائباً لرئيس المؤتمر من زاويتين متكاملتين. الأولى دبلوماسية، ترتبط بحضور المملكة داخل الأجهزة والمنتديات الدولية المتخصصة. أما الثانية فهي أكثر ارتباطاً بالسياسات العمومية الداخلية، لأن المشاركة في صياغة التوجهات الدولية المتعلقة بالعدالة وسيادة القانون تضع الدول أيضاً أمام اختبار ترجمة المبادئ التي تدافع عنها دولياً إلى إصلاحات ملموسة على المستوى الوطني.

ولهذا فإن أهمية الموقع الذي شغله المغرب في مؤتمر أبوظبي لا ينبغي قياسها فقط بعنوان الانتخاب، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه من تراكم في مجال التعاون القضائي، ونقل الخبرات، وتطوير سياسات الوقاية من الجريمة، وتقوية استعمال البيانات والبحث العلمي في صياغة السياسة الجنائية، والاستعداد للجرائم المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي.

لقد أظهر مؤتمر أبوظبي أن مفهوم العدالة الجنائية يدخل مرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها الأمن منفصلاً عن التكنولوجيا، ولا مكافحة الجريمة منفصلة عن حقوق الإنسان، ولا السياسة الجنائية منفصلة عن التنمية. وفي قلب هذا التحول، منح انتخاب المغرب ضمن نواب رئيس المؤتمر باسم المجموعة الإفريقية المملكة موقعاً للمشاركة في نقاش دولي يتجاوز إدارة الجريمة بعد وقوعها إلى سؤال أكثر تعقيداً: أي عدالة يحتاجها العالم في مواجهة جرائم المستقبل؟

إعداد: الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: