الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، نوفمبر 03، 2026

الأدب الرقمي في أحدث إصداراته: بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


تقدم الإصدارات التي ظهرت في الأيام الأخيرة من أكتوبر ومطلع نوفمبر 2026 صورة متعددة الوجوه للأدب الرقمي؛ فبين رواية تفاعلية أمريكية تجعل القارئ طرفًا في صراع على السلطة، ومغامرة أوروبية تحوّل الفضول والتلصص إلى وسيلة لاكتشاف الحكاية، ورواية بصرية يابانية تواصل تقاليد السرد العاطفي، وكتابات نقدية عربية تناقش طبيعة النص على الشاشة، يبدو أننا أمام تجارب تتقاطع في الوسيط وتختلف في تصورها للأدب وللقراءة. غير أن متابعة هذا المشهد تستدعي قدرًا من الدقة: فليس كل كتاب متاح إلكترونيًا أدبًا رقميًا، وليست كل لعبة سردية رواية، كما أن نشر مقال عن تجربة قديمة لا يجعلها إصدارًا جديدًا.

وتتركز هذه الجولة أساسًا على الفترة الممتدة من 27 أكتوبر إلى 3 نوفمبر، مع التمييز بين الأعمال الإبداعية الصادرة بالفعل والمواد النقدية المنشورة حديثًا. وتكشف النتائج تفاوتًا في طبيعة المستجدات الموثقة؛ إذ تبرز أعمال تفاعلية محددة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، بينما يظهر الجانب العربي، في حدود ما أمكن التحقق منه، من خلال النشر النقدي أكثر من ظهور إصدار إبداعي تفاعلي جديد يمكن تثبيت تاريخ إطلاقه خلال الفترة نفسها.

في المشهد الأمريكي، أطلقت «Choice of Games» يوم 29 أكتوبر رواية الفانتازيا التفاعلية «To Reign in Hell» للكاتب ستيوارت مارتن. يقدم العمل عالمًا سفليًا يهتز نظامه بعد غياب إمبراطورته، ويدعو القارئ إلى اتخاذ قرارات تتصل بالصراع والتحالف والسلطة. ويبلغ حجمه المعلن نحو ستمائة ألف كلمة، مع مئات الاختيارات التي تشكل مسارات الحكاية، وهو متاح عبر الحاسوب والأجهزة المحمولة.

وما يلفت الانتباه في هذا الإصدار اعتماده على النص وحده، من دون رسوم أو مؤثرات صوتية. هنا تظل اللغة أداة بناء العالم، بينما تدخل البرمجة لتنظم الاحتمالات وتربط القرار بنتائجه. ومن زاوية نقدية، تتيح هذه الصيغة مساءلة العلاقة بين الشخصية والقارئ: فالأخير لا يكتفي بمراقبة الطموح أو الخيانة، بل يختبرهما ضمن حدود يضعها الكاتب. ولا يعني الحجم المعلن أن كل قارئ سيمر بجميع الكلمات في قراءة واحدة، لأن تعدد الفروع يجعل التجربة قابلة للإعادة.

وبالقرب من هذا التيار، نُشر يوم 30 أكتوبر عمل «Undead Identities» من إنتاج «Lamp Post Projects»، وهو تجربة سردية استدلالية كتبتها ورسمتها نيل، وتدور حول رئيس بلدة في نيوإنغلاند يجد نفسه أمام حادثة غريبة تتصل بمقبرة تاريخية وإحياء الموتى. تجمع التجربة بين قراءة القرائن وحل اللغز، وقد بُنيت باستخدام لغة «ink» المخصصة للسرد التفاعلي.

وتنبع دلالة هذا الإصدار من المساحة التي يمنحها للاستنتاج؛ فالقارئ يتقدم في الحكاية عبر فهم العلاقات بين المعلومات. وتعلن صفحة العمل عدم استخدام محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، وهو تفصيل يكشف كيف أصبحت طريقة صناعة النص والصورة جزءًا من تقديم بعض الأعمال الرقمية إلى جمهورها. وفي هذه الحالة، يمكن قراءة التفاعل بوصفه تدريبًا على الانتباه وإعادة ترتيب الأدلة، إلى جانب وظيفته الترفيهية.

أما أوروبيًا، فمن أبرز إصدارات 29 أكتوبر «Tom the Postgirl»، الذي يجمع استوديو «Oopsie Daisies» و«ARTE France». تتبع المغامرة موزعة بريد تتنقل بين سكان قرية تبدو جذابة، لكنها تمتلئ بالأسرار، وتستغل جولاتها للتجسس على البيوت واكتشاف ما يخفيه أصحابها. وقد أُعلن إطلاقها على الحاسوب و«Nintendo Switch».

ينتمي هذا العمل إلى الألعاب السردية، ولذلك يبدو إدراجه ضمن المشهد الأوسع للحكي الرقمي أكثر دقة من تسميته رواية إلكترونية بالمعنى الصارم. وتقوم فكرته على تحويل المكان إلى حامل للمعلومات؛ فالحكاية تُكتشف من خلال الحركة والمراقبة والتفاصيل المرئية. ومن هذه الزاوية، تطرح التجربة سؤالًا أدبيًا وأخلاقيًا عن معرفة الآخرين: إلى أي حد يستطيع الفضول أن يكشف الحقيقة، ومتى يتحول إلى انتهاك؟ وهذه قراءة تتيحها الفكرة المعلنة للعمل، وليست حكمًا على جميع تفاصيله الفنية.

وفي شرق آسيا، تقدم اليابان مثالًا محددًا مع «D.C.5 to 4: Luminous Memories» من علامة «CIRCUS»، المدرج بتاريخ إصدار 30 أكتوبر 2026. ويُقدَّم العمل بوصفه قصة حب مدرسية موجهة إلى جميع الأعمار، ضمن تقاليد الروايات البصرية اليابانية التي تمنح الحوار والشخصيات والبناء العاطفي مكانة مركزية.

وتبرز أهمية هذا النموذج في أن القراءة تجري داخل واجهة بصرية، حيث تتجاور الكلمات مع تمثيل الشخصيات والمشهد. ولذلك يحتاج النقد إلى النظر في كيفية تنظيم الإيقاع وتوزيع المعلومات وصناعة التعلق بالشخصيات، إلى جانب فحص اللغة والحبكة. كما يستدعي رصد المستجدات التمييز بين صدور عنوان جديد، وإعادة إصدار عمل سابق، وإطلاق ترجمة أو نسخة لمنصة أخرى؛ فهذه أحداث مختلفة حتى عندما تظهر جميعها في قوائم «الإصدارات الجديدة».

ولا يجوز تعميم المثال الياباني على شرق آسيا كله. فالروايات الشبكية الصينية والكورية تمثل مجالًا واسعًا، لكن تحديث قائمة ترشيحات أو إضافة فصل إلى رواية متسلسلة لا يكفيان لإعلان ولادة عمل جديد. وتظل قيمة الجولة الصحفية مرتبطة بقدرتها على تثبيت عنوان الإصدار وتاريخه وطبيعته، بدل ملء الخريطة بأسماء لم تتضح صلتها بالفترة المرصودة.

وعربيًا، يتيح عدد نوفمبر 2026 من «المجلة العربية» متابعة استمرار النقاش حول الأدب الرقمي، ومن مواده نص «بعيدًا عن ثقة الناقد»، الذي يناقش انتشار الكتابة عبر الوسائط الإلكترونية وعلاقة النقد بها، إلى جانب مسائل التعديل المستمر والملكية الفكرية وثبات النص. وهذه مادة نقدية منشورة حديثًا، وليست عملًا إبداعيًا تفاعليًا جديدًا.

وتكشف هذه المتابعة عن حاجة إلى ضبط المصطلح؛ إذ ينبغي التمييز بين قصيدة منشورة على موقع، ورواية موزعة بصيغة إلكترونية، وعمل تتغير بنيته بفعل اختيارات القارئ. فجميعها تستفيد من البيئة الرقمية، لكن التقنية تؤدي في كل منها وظيفة مختلفة. ولم يتيسر تثبيت إصدار عربي إبداعي تفاعلي جديد خلال الأيام المحددة، وهو حدّ في نتائج البحث، ولا يصلح دليلًا على غياب الإنتاج العربي.

تجتمع هذه المستجدات حول تحول واضح في طرائق تقديم الحكاية: فبعض الأعمال يوسع سلطة القارئ عبر القرار، وبعضها يجعله يجمع القرائن، وبعضها يبني التجربة من تداخل الكتابة والمشهد. ومع ذلك، تظل القيمة الأدبية رهينة القدرة على خلق شخصيات مقنعة ولغة مؤثرة وبنية تمنح التفاعل ضرورة فنية. فالنقرة تصبح جزءًا من الأدب حين تغيّر علاقتنا بالحكاية، وحين تجعلنا نفهم ما نقرأ ونشعر به على نحو أعمق.


0 التعليقات: