الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، نوفمبر 06، 2026

الذكاء الاصطناعي والجيوسياسة في الصحافة بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


بين ناخب أمريكي يصوّت على إقامة مركز بيانات قرب منزله، وشحنة رقائق تنتظر الإذن بدخول الصين، ومسؤولين أوروبيين يبحثون ضمانات أمنية لأوكرانيا فيما تتواصل الضربات، وجدتُ أن أكثر أخبار هذا الأسبوع دلالة جاءت من أماكن لا تتصدر عادة عناوين السباق التكنولوجي. فقرار بلدي يمكن أن يؤخر استثمارًا ضخمًا، وإجراء جمركي يمكن أن يحدد ما يصل إلى الشركات من قدرة حاسوبية، وصياغة ضمان أمني يمكن أن ترسم حدود ما تقبل الدول الالتزام به. ومن هذه الزاوية قرأتُ صحافة القوى الست، انطلاقًا من دليل «نيوزبيبرز غلوبال» وبالرجوع إلى تغطيات الصحف والوكالات التي نشرت الأخبار والتحليلات.

الولايات المتحدة | الناخب يدخل على خط الذكاء الاصطناعي

في الرابع من نوفمبر، أفادت «واشنطن بوست» بأن الناخبين أقروا أكثر من عشرين إجراءً محليًا يحظر إقامة مراكز بيانات أو يقيّدها، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي. وتكشف أسباب الاعتراض، من الضجيج واستهلاك المياه إلى الخشية من ارتفاع فواتير الكهرباء وضعف التشاور مع السكان، لماذا صار الذكاء الاصطناعي موضوعًا في السياسة المحلية. فالخدمة التي تظهر للمستخدم في نافذة صغيرة على هاتفه تحتاج في الطرف الآخر إلى منشآت كبيرة، وإلى شبكات كهرباء ومياه وأراضٍ تتقاسمها مع السكان.

وفي الخامس من نوفمبر، ربطت «رويترز» الهبوط الحاد في أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق بإعادة المستثمرين تقدير وتيرة بناء مراكز البيانات بعد مكاسب الديمقراطيين في الانتخابات. ويهمني هنا الفرق بين ما حسمه الاقتراع وما بقي مفتوحًا. فقد أُقرت قيود محلية بالفعل، فيما ظلت توقعات المستثمرين بشأن تشديد الرقابة الاتحادية رهينة ما سيفعله الكونغرس. وعلى الصعيد الخارجي، نقلت «واشنطن بوست» حديث دونالد ترامب عن اقتراب تفاهم واسع مع موسكو بشأن أوكرانيا وأوروبا. وفي هذا الملف أيضًا، كانت التصريحات تسبق ما أمكن التحقق من الاتفاق عليه.

بريطانيا | السيادة الرقمية تمر عبر شبكة الكهرباء

في لندن، كشفت «فايننشال تايمز» في الثاني من نوفمبر أن الحكومة اتفقت على مبادئ لتوجيه تبنّي الذكاء الاصطناعي، أعطت فيها وزنًا للسيادة وللقدرة على التحكم في البنية التحتية. ومن أكثر التفاصيل دلالة أن الخطة التي تناولتها الصحيفة تربط أولوية الربط بشبكة الكهرباء وتسريع إجراءات الترخيص بالتزامات بيئية ومجتمعية على مطوّري مراكز البيانات. بذلك يصبح للسيادة الرقمية معنى يمكن اختباره محليًا، من شروط تخصيص الطاقة إلى ما تجنيه المنطقة التي تستضيف المشروع.

وفي بروكسل، شاركت بريطانيا، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، في محادثات تناولت ضمانات أوكرانيا الأمنية وإعادة الإعمار وتمويل عام 2027. وأقرأ الخبرين بوصفهما اختبارين مختلفين لقدرة لندن على التأثير. ففي الداخل تستطيع الحكومة أن تضع شروطًا لمن يريد استخدام الشبكة وبناء المنشآت، بينما يتوقف وزنها في الملف الأوكراني على طبيعة الالتزامات التي تستطيع تنسيقها مع الحلفاء وتنفيذها.

فرنسا | من يملك الكود ومن يضمن الهدنة؟

اختارت «لوموند» مدخلًا ثقافيًا وتقنيًا في تغطيتها للذكاء الاصطناعي. فقد تناولت في الثاني من نوفمبر كيف تساعد الأدوات التوليدية هواة البرمجة على فهم الشفرة المفككة لألعاب الفيديو، وإعادة كتابة أجزاء منها، وتسريع نقل بعض الألعاب إلى منصات أخرى. وظهر في التحقيق خلاف يتجاوز عالم الألعاب. فعندما يستطيع فريق إنهاء مشروع بسرعة مستفيدًا من سنوات من العمل أنجزها آخرون، تصبح مسألة الاعتراف بمساهماتهم وحقوقهم جزءًا من النقاش حول قيمة هذه الأدوات.

وفي تغطيتها للحرب الأوكرانية، تابعت الصحيفة في الخامس من نوفمبر اجتماع ممثلين روس وأوكرانيين في البيت الأبيض على خلفية الهدنة المحلية في أوليشكي، بالتوازي مع استمرار الهجمات الروسية بالمسيّرات والصواريخ. وبينما شاركت باريس في محادثات بروكسل، أظهرت تغطية الميدان حدود ما يمكن أن تحققه هدنة محلية. ففي مدينة واحدة يمكن لاتفاق مؤقت أن يتيح خروج مدنيين، بينما يتطلب وقف أوسع للقتال ترتيبات تتعلق بالمراقبة والضمانات وما يترتب على خرقها.

الصين | انفتاح في شنغهاي ورقائق تنتظر في هونغ كونغ

قدّمت «تشاينا ديلي» افتتاح معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي يوم الخامس من نوفمبر باعتباره فرصة للشركات العالمية لعرض تقنيات متقدمة أمام السوق الصينية، ومنها تطبيقات الصناعة الذكية والروبوتات الطبية. وفي اليوم نفسه، نقلت الصحيفة دعوة السفير الصيني في واشنطن، شيه فنغ، إلى استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة. وفي ملف آسيوي آخر، نقلت اعتراض الخارجية الصينية على خطط طوكيو لمراجعة وثائقها الأمنية. وهكذا اجتمعت في تغطية يوم واحد رسائل الترحيب بالتجارة، والدعوة إلى الاستقرار مع واشنطن، والتحذير من التوجه الدفاعي الياباني.

وفي مقابل صورة الانفتاح التي قدّمها معرض شنغهاي، أفادت «رويترز» بتراكم رقائق «إنفيديا» من طراز «إتش 200» في هونغ كونغ بانتظار موافقات الاستيراد إلى البرّ الصيني، مع السماح بدخول بعض الشحنات في الأشهر الماضية، وفق مصادر الوكالة. وفي تقديري، تكشف هذه الواقعة معضلة بكين بدقة. فشركاتها تحتاج إلى قدرة حاسوبية متقدمة اليوم، بينما يتطلب بناء بدائل محلية وقتًا. لذلك تكتسب قنوات الحوار التقني مع واشنطن أهمية عملية حتى مع استمرار المنافسة على الرقائق.

روسيا | تنسيق حكومي للذكاء الاصطناعي وترقّب لمحادثات أبوظبي

أفادت «كوميرسانت» في الثالث من نوفمبر بأن الحكومة الروسية ستدرس مشروعًا لتوسيع صلاحيات وزارة التنمية الرقمية في تنسيق إدماج الذكاء الاصطناعي. والخبر هنا يتعلق بمشروع قيد النظر. وتكمن دلالته في أن موسكو تطرح سؤالًا إداريًا يسبق كثيرًا من وعود التقنية، وهو تحديد الجهة التي تضع أولويات الاستخدام وتنسّق بين المؤسسات التي تتبناه.

وفي الملف الأوكراني، تابعت الصحيفة التحضير للمحادثات الروسية والأمريكية والأوكرانية المقررة في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر، ونقلت عن الكرملين أن ضمانات الأمن لروسيا وأوكرانيا ستُطرح ضمن النقاش. وتبدو المقارنة مع بروكسل كاشفة. فالتغطية الروسية أبرزت مطلب الضمانات لموسكو وكييف، بينما ركزت محادثات الحلفاء الغربيين على أمن أوكرانيا وتمويلها وإعمارها. تشابه المفردات يخفي هنا خلافًا عمليًا حول من يقدّم الضمان، ولمن، وتحت أي شروط.

اليابان | ذاكرة الرقائق وكلفة التحوّل الدفاعي

نشرت «جابان تايمز» في الأول من نوفمبر تقريرًا عن توقعات شركة «كيوكسيا» التي أشارت إلى أن الارتفاعات الحادة في أسعار ذاكرة الفلاش بدأت تفقد زخمها. وتلفت هذه القراءة الانتباه إلى موقع اليابان في اقتصاد الذكاء الاصطناعي عبر مكوّنات التخزين التي تحتاج إليها مراكز البيانات إلى جانب المعالجات. كما تُظهر أن ازدياد الحاجة إلى التخزين يترك للمصنّعين سؤالًا مفتوحًا حول الأسعار والعائد على توسيع الإنتاج.

وفي الجيوسياسة، أفادت «رويترز» بأن اليابان تدرس خطة إنفاق دفاعي لخمس سنوات، ثم نقلت في الخامس من نوفمبر تحذير وزارة المالية من تمويل التوسع الدفاعي عبر ديون جديدة. وفي الوقت الذي تناولت فيه «تشاينا ديلي» مراجعة الوثائق الأمنية اليابانية من زاوية الاعتراض الصيني، أظهرت التغطية الاقتصادية جانبًا داخليًا من القرار. فزيادة الإنفاق الدفاعي تخضع أيضًا لمفاضلات الميزانية اليابانية، حتى حين يدفع الحلفاء نحو تسريعها وتقرأها بكين في ضوء التوازن الإقليمي.

ما تكشفه المقارنة

أكثر ما استوقفني هذا الأسبوع أن كل بلد اصطدم بقيد مختلف وهو يحاول توسيع قدرته على القرار. ففي الولايات المتحدة ظهرت سلطة البلديات والناخبين على مواقع الاستثمار، وفي بريطانيا برزت شروط الحصول على الكهرباء، وفي الصين ظهرت سلطة الموافقة على دخول الرقائق، وفي اليابان برزت كلفة تمويل الطموح الصناعي والدفاعي. ومن فرنسا جاء سؤال حقوق من أنتجوا الشفرة التي تستفيد منها الأدوات الجديدة، فيما طرحت روسيا سؤال الجهة التي ستنسّق استخدامها داخل مؤسسات الدولة.

وفي ملف أوكرانيا، ستتيح محادثات أبوظبي المقررة اختبارًا أكثر تحديدًا مما قدمته التصريحات هذا الأسبوع. فما يمكن قياسه هو مدى انتقال الأطراف من الحديث العام عن الضمانات إلى تحديد التزامات قابلة للتنفيذ والمراقبة. وفي سباق الذكاء الاصطناعي، يمكن قياس التحول من الوعود إلى التنفيذ عند نقاط ملموسة بالقدر نفسه، مثل موافقة على استيراد شحنة، أو ترخيص لبناء مركز بيانات، أو اتفاق على من يتحمل كلفة ربطه بالشبكة.


مراجع التحقق خارج متن المقال

  • دليل الصحف. «نيوزبيبرز غلوبال» وصفحات الصحف الوطنية. اخبار اليوم
  • الولايات المتحدة. الاقتراع المحلي على مراكز البيانات، تحركات الأسواق، وتصريحات ترامب بشأن موسكو. The Washington Post
  • بريطانيا وفرنسا. التوجه البريطاني في الذكاء الاصطناعي، تحقيق «لوموند» عن ألعاب الفيديو، وتغطية محادثات بروكسل والحرب الأوكرانية. ft.com
  • الصين. معرض شنغهاي، العلاقات مع واشنطن، الاعتراض على خطط طوكيو الأمنية، وموافقات استيراد الرقائق والحوار التقني. Chinadaily.com.cn
  • روسيا واليابان. التنسيق الحكومي للذكاء الاصطناعي، محادثات أبوظبي، توقعات «كيوكسيا»، وتمويل الإنفاق الدفاعي الياباني. Коммерсантъ

0 التعليقات: