حين أتصفح قوائم الكتب الإلكترونية العربية، أتوقف عند التاريخ المكتوب إلى جوار الغلاف. فقد يشير إلى كتاب يصل إلى قرائه للمرة الأولى، وقد يدل على عودة رواية قديمة في طبعة رقمية جديدة، أو على انتقال كتاب من فهرس إلى آخر. وهذه الفروق الصغيرة هي التي تمنح عبارة «صدر حديثًا» معناها. ففي جولتي بين 27 أكتوبر و6 نونبر 2026، صادفت ترجمة عربية أنجزت قبل أكثر من قرن وعادت إلى واجهة العرض، وكتابًا مستقلًا يتناول الزيوت العطرية، وأربع حكايات للناشئة تستدعي شخصيات من مصر القديمة. لكل واحد من هذه الكتب حكايته مع النشر، كما أن لكل واحد منها قارئًا قد يعثر عليه لسبب مختلف تمامًا.
«الإرث الخفي» وترجمة تعبر قرنًا
في الثاني من نونبر، ظهرت على منصة «آبل بوكس» طبعة إلكترونية عربية من رواية «الإرث الخفي» للكاتب الفرنسي بونسون دو ترايل، عن دار «نون للنشر»، بترجمة طانيوس عبده. وهي الجزء الأول من سلسلة «روكامبول». تبدأ الرواية أثناء انسحاب جيش نابليون من موسكو، حين يلجأ ثلاثة فرسان إلى غابة وسط الثلوج ويتقاسمون سرًّا. ومن ذلك اللقاء تنفتح الحكاية على إرث تتشابك حوله المصالح، وتنتقل آثاره من مشهد العزلة والبرد إلى باريس، حيث يجد السر بيئة أخرى ينمو فيها وتتكاثر حوله المؤامرات.
ما استوقفني في هذا الإصدار هو المسافة بين تاريخ الترجمة وتاريخ ظهور الطبعة. فقد صدرت ترجمة طانيوس عبده سنة 1903، وأتاحت مؤسسة هنداوي نسخة رقمية منها سنة 2014، ثم جاءت طبعة «نون للنشر» في نونبر 2026. وحين أقرأ هذه التواريخ متجاورة، أفكر في مصير النص بعد أن يغادر يد مترجمه. فالعبارات التي اختارها طانيوس عبده لقارئ عربي في مطلع القرن العشرين صارت اليوم على شاشة قارئ يستطيع أن ينتقل منها، في الجلسة نفسها، إلى رواية مترجمة صدرت هذا العام. وبين القراءتين قد يلاحظ اختلاف الإيقاع، وطريقة تقديم الشخصيات، وكيف تستدعي العربيةُ البردَ والخوفَ والتشويقَ في زمنين متباعدين.
وفي عودة «الإرث الخفي» فرصة لاستعادة اسم المترجم إلى جوار اسم الروائي. فمن يقرأ الرواية بالعربية يصغي إلى صوتين في آن واحد. هناك الكاتب الذي وضع الفرسان في الغابة وأخفى عن القارئ ما سيؤول إليه سرهم، وهناك المترجم الذي كان عليه أن يجد لهذا المشهد إيقاعًا يحفظ توتره في لغة أخرى. أجد في إعادة إتاحة هذه الترجمة دعوة إلى قراءة أدب المغامرات وإلى تأمل صفحة من تاريخ العربية وهي تستقبل ذلك الأدب.
كتاب مستقل في موضوع الزيوت العطرية
وفي الرابع من نونبر، أدرجت مكتبة «نيل وفرات» كتاب «المعالجة بالزيوت العطرية – شفاء وجمال» لعبد المؤمن القشلق، في إصدار مستقل بصيغة EPUB. وتضع نبذة الإصدار الموضوع عند تقاطع الموروث المتصل باستعمال الزيوت العطرية والمعرفة بمكوّناتها وتطبيقاتها. والعنوان، بما يجمعه من إشارات إلى الجمال والعناية، يتوجه إلى قارئ له اهتمام محدد، وقد يصل إلى الكتاب وهو يبحث عن مادة بعينها أو يريد أن يعرف كيف تُعرض استعمالاتها في مؤلَّف عربي.
ويهمني موقع هذا الإصدار في الفهرس بقدر ما يهمني موضوعه. فالكتاب المستقل قد يظهر إلى جوار رواية صادرة عن دار نشر أو ترجمة كلاسيكية أعيد طرحها، وتصبح بطاقة الكتاب هي ما يساعد القارئ على الاختيار. من هنا تأتي قيمة النبذة الواضحة التي تبين مجال الكتاب وطريقة تناوله، خصوصًا حين يجاور في عنوانه بين المعرفة التطبيقية ولغة العناية والصحة. فالقارئ الذي يصل إلى الإصدار بسؤال محدد يحتاج إلى أن يعرف طبيعة المادة التي سيقرأها قبل أن يقرر اقتناءه.
مصر القديمة كما يراها قارئ صغير
وقبل مطلع نونبر بأيام، أصدرت دار المشرق الإلكتروني في 27 أكتوبر أربعة كتب لأحمد الشافعي ضمن العناوين التي تابعتها للناشئة، وجاءت جميعها بصيغة EPUB. تستلهم هذه الكتب أسماء من مصر القديمة، وتضع كل شخصية في حكاية يسهل على الطفل متابعتها. وفي «رمسيس الثاني، الفرعون العظيم»، تقود تجربة الحرب إلى التفكير في السلام. وفي «سنوسرت الثالث، حامي النيل العظيم»، تبدأ رحلة الملك حين يصغي إلى فلاح يخبره بما يخشاه الناس في الجنوب. وبين الحكايتين ينتقل سؤال القيادة من ساحة المعركة إلى لحظة الإصغاء لشخص جاء يحمل خبرًا من خارج القصر.
وفي «تحتمس الثالث، الملك المحارب الشجاع»، يظهر البطل في صباه، ويتعلم الصبر والشجاعة على يد مدرّبه وفي حضرة حتشبسوت. أما «أمنحتب صديق الحديقة» فتختار حادثة أصغر حجمًا وأقرب إلى يوميات الطفل. يتجول الملك في حديقة قصره قرب النيل، فيجد قنفذًا صغيرًا عالقًا ويحاول إنقاذه. وأجد أن هذه الحكاية، على بساطة مشهدها، تفتح مدخلًا مختلفًا إلى عالم الفراعنة. فالطفل يستطيع أن يتخيل خوف القنفذ، وأن يسأل عما كان سيفعله لو صادفه، ثم ينتبه إلى أن الرجل الذي توقف لإنقاذه يحمل اسمًا من أسماء مصر القديمة.
هذا الانتقال من مشهد يلمسه الطفل بخياله إلى زمن بعيد هو مما أحبّه في الحكاية التاريخية الموجهة إلى الناشئة. قد يبدأ السؤال عند القنفذ وينتهي عند صورة لنهر النيل، وقد يبدأ عند الأمير الذي يتدرب وينتهي بسؤال عن حتشبسوت. وحين يحدث ذلك، تصبح الحكاية جزءًا من طريق أطول في القراءة، يمر بكتاب مصوّر أو خريطة أو حديث عائلي عن الحياة في مصر القديمة.
ما الذي يقوله لنا تاريخ النسخة؟
اعتمدتُ في هذه الجولة على بطاقات تجمع بين تاريخ الإصدار وتحديد صيغته الإلكترونية، ولذلك بقيت الحصيلة محدودة بالعناوين التي أمكن التحقق من بياناتها. وقد ظهرت أثناء البحث كتب حديثة تعرض الفهارس طبعاتها الورقية، إلى جانب كتب إلكترونية تكتفي صفحاتها بذكر سنة النشر. وتبرز هنا فائدة أن يبيّن الناشر أو الموزع تاريخ كل طبعة على حدة، وأن يوضح للقارئ أين تتاح النسخة المخصصة للقراءة، خصوصًا عندما يكون للعمل نفسه أكثر من إصدار.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه الجولة هو أن التاريخ الواحد في أعلى بطاقة الكتاب قد يخفي وراءه أعمارًا مختلفة. فطبعة «الإرث الخفي» حديثة، والترجمة التي تحملها تعود إلى أكثر من مئة عام. وفي الجهة الأخرى من الفهرس، تظهر حكاية إلكترونية حديثة تستدعي ملكًا من زمن بعيد وتمنحه لحظة يستطيع طفل اليوم أن يتخيلها. وبين هذين الكتابين تتسع المكتبة العربية على الشاشة لأزمنة متعددة، ويستطيع القارئ أن يبدأ رحلته من فرسان يحتمون من الثلج أو من قنفذ صغير عالق في حديقة على ضفة النيل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق