في الأيام الأولى من نونبر 2026، استوقفتني في أخبار دور النشر العربية روايتان تبدوان متباعدتين في موضوعهما وطريقة بنائهما. في الأولى، يكتشف رجل أنه يستطيع الدخول إلى أحلام الغرباء، فيصبح ما يفعله هناك شأناً يخص أصحاب تلك الأحلام بقدر ما يخصه. وفي الثانية، يعود كاتب مغربي إلى سيرة والده، فيجد فيها مدخلاً إلى تطوان وإلى حياة جيل عرف المغرب في عهد الحماية، ثم شهد استقلاله وبدايات بناء دولته الحديثة. وبين الروايتين، ظهرت دراسة عن قدرة السرد على مساءلة الصور الشائعة عن المجتمعات، وترجمة عربية لكتاب يروي أفول الدولة العثمانية من خلال عائلة دمشقية، وإصدارات في الشعر والفكر السياسي والقانون.
تضم هذه الجولة كتباً أفادت المنابر الثقافية بصدورها حديثاً بين فاتح و6 نونبر، إلى جانب رواية قُدّمت في الرباط وعمل تاريخي أُعلن عنه في افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب. وقد لفتني فيها انتقال القارئ من تجربة فردية، قد تبدأ بحلم أو ذكرى عائلية، إلى أسئلة عامة عن التاريخ والسلطة والانتماء.
«أحلام الدمى»… ماذا يحدث حين ندخل أحلام الآخرين؟
عن دار مسكيلياني للنشر صدرت رواية «أحلام الدمى» للمصري محمد سمير ندا، الذي فاز بالجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2025 عن «صلاة القلق». تبدأ الحكاية من مفارقة يسهل الإمساك بها. إسماعيل، الذي أمضى ثلاثين عاماً من عمره من دون أحلام، يجد نفسه فجأة داخل أحلام أشخاص يجهلهم. وسرعان ما يرى في قدرته الجديدة فرصة لمساعدتهم. لكن كل تدخل يوسّع المسافة بين ما يعتقد أنه يفعله من أجلهم وما قد يحدث لهم فعلاً بسبب تدخله.
وتقابل الرواية حرمان إسماعيل من الحلم بتجربة أماني، الناجية من غزة، التي يردّها النوم إلى ما حاولت النجاة منه. يلتقي الاثنان عند باب واحد ويدخلانه من جهتين مختلفتين. فهو يكتشف في الحلم مجالاً للفعل، بينما تجد هي فيه ذاكرة تفرض نفسها عليها. ومن خلال كراسة إسماعيل ومذكرات أماني وملف طبيب نفسي، يتوزع تفسير الأحداث بين أصوات لها أسبابها في تصديق ما جرى أو الشك فيه. وفي خلفية الحكاية، تتشقق شوارع القاهرة فيما تؤكد الجهات الرسمية أن الأمور عادت إلى طبيعتها. هكذا يتجاور الخلاف على تفسير تجربة شخصية مع خلاف أوسع على وصف ما يراه الناس في مدينتهم.
ومن هذه الحبكة يبرز سؤال يعنيني بصفتي قارئاً. متى تتحول الرغبة في مساعدة إنسان آخر إلى رغبة في اتخاذ القرار عنه؟ تكمن خصوصية السؤال هنا في أن إسماعيل يدخل أكثر الأماكن حميمية لدى الآخرين، ثم يضع ثقته في تفسيره الخاص لما يرى. وكلما ازدادت ثقته بقدرته، صار على القارئ أن يصغي أكثر إلى من تقع عليهم نتائجها.
«الخبز والكلمة»… سيرة أب تفتح أبواب تطوان
في الرباط، قُدّمت مساء 4 نونبر، في رواق «فضاء التعبير» التابع لصندوق الإيداع والتدبير، رواية «الخبز والكلمة» للكاتب والشاعر المغربي قيس بن يحيى، الصادرة باللغة الفرنسية عن دار سوشبريس. يستعيد المؤلف فيها سيرة والده محمد بن يحيى الطنجاوي، المولود سنة 1936 والمتوفى سنة 2016، ويتتبع من خلالها جانباً من حياة جيل مغربي عبر من زمن الحماية إلى زمن الاستقلال وشارك في بناء الحياة العامة بعده.
تحتل تطوان العتيقة مكاناً رئيسياً في الحكاية. ومن تفاصيلها التي استعادها تقديم الرواية الأزقة والأفران والمطابع والمدارس القرآنية. وحين أفكر في اجتماع الفرن والمطبعة داخل هذا العالم الروائي، أرى وجهين لتاريخ المدينة يمكن للقارئ أن يتتبعهما عبر يوم عادي من حياة أهلها. في الأول، يخرج الناس لكسب معاشهم وتدبير حاجاتهم. وفي الثاني، يتعلمون ويطبعون ويتداولون أخباراً وأفكاراً تتجاوز حدود الحي. ومن هنا يأخذ عنوان الرواية معناه. فالخبز يحيل إلى العمل والكرامة، فيما تتسع الكلمة للمعرفة والصحافة وحرية التعبير.
وأقرأ اختيار الأب مدخلاً إلى الحكاية بوصفه اختياراً لطريقة مخصوصة في تذكّر المغرب. فحين نقترب من التحولات الكبرى عبر سيرة فرد، تهمنا الأسئلة التي كانت تشغل يومه بقدر ما تهمنا تواريخ الأحداث التي عاشها. ماذا كان يعني التعليم لأسرة في ذلك الزمن؟ وكيف انتقلت الخبرة من جيل إلى آخر؟ وبأي لغة كان الأب يروي لأبنائه ما تغير في مدينته؟ هذه الأسئلة هي ما يجعل خبر تقديم الرواية مناسبة للتفكير في المادة التي تختزنها الذاكرة العائلية قبل أن يتفرق من يحملونها.
عبد الرزاق المصباحي وقراءة الرواية من موقعها الثقافي
من دار كتارا للنشر في قطر، صدر للناقد والباحث المغربي عبد الرزاق المصباحي كتاب «الردّ بالرواية: دراسة في إستراتجيات السرد الثقافي»، الفائز بجائزة كتارا في دورتها الحادية عشرة سنة 2025. يقترح الكتاب قراءة تصل بين البناء الجمالي للرواية والخطابات الثقافية التي تنشأ في محيطها، ويولي اهتماماً خاصاً للرواية العربية الأفريقية، وهي من المجالات التي يدعو المصباحي إلى توسيع البحث فيها.
ويستوقفني فعل «الردّ» في العنوان. فقد ترد الرواية على صورة شائعة عن جماعة أو مكان حين تمنح الكلام لشخصية تعوّد الآخرون أن يتكلموا باسمها. وقد تفعل ذلك حين توزع الحكاية بين أكثر من راوٍ، فيصبح من حق القارئ أن يشك في الرواية التي يسمعها أولاً. بهذا المعنى، تكتسب أسئلة الشكل أهميتها الثقافية. فاختيار من يروي، وما يعرفه، ومن يُتاح له الاعتراض عليه، يحدد مقدار ما نستطيع أن نراه من العالم الذي يبنيه الكتاب.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الاهتمام بالرواية العربية الأفريقية دلالته. فالنصوص التي تنشأ في بيئات متعددة اللغات والثقافات تضع القارئ أمام خبرات قد تغيب حين يُختصر الأدب العربي في عدد قليل من المراكز المعروفة. وتبدأ قراءة هذه الأعمال من الإصغاء إلى طريقتها في بناء المكان والشخصيات والعلاقات، بما فيها التفاصيل التي تبدو مألوفة لقارئ من تلك البيئة وتحتاج إلى إعادة نظر من قارئ يأتيها من بعيد.
«هكذا خسروا إسطنبول»… أفول السلطنة في سيرة عائلة دمشقية
في باب الترجمة، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة «ترجمان»، كتاب «هكذا خسروا إسطنبول: العرب العثمانيون ونهاية العهد العثماني» للمؤرخ مصطفى الميناوي، بترجمة مصطفى قاسم. يتتبع الكتاب مسار شفيق المؤيد عظم زاده وابن أخيه صادق، اللذين غادرا دمشق إلى إسطنبول وعملا في مؤسسات الدولة العثمانية. شغل شفيق مواقع إدارية وسياسية وصولاً إلى تمثيل ولاية سورية في البرلمان، فيما تولى صادق مهمات دبلوماسية امتدت إلى مناطق مختلفة من العالم.
تمنح سيرة الرجلين سؤال الانتماء معنى ملموساً. فإسطنبول كانت مدينة بنيا فيها علاقاتهما ومكانتهما، ومركز دولة ارتبطت بها مصالح عائلتهما وطموحاتها. ومع اضطراب أحوال السلطنة ثم انهيارها، تبدل معنى تلك الروابط. وما كان متاحاً لأفراد الأسرة داخل دولة متعددة الأقاليم صار خاضعاً لحدود سياسية جديدة ولتصورات متغيرة عن الهوية والولاء.
واللافت في هذه المقاربة أن القارئ يستطيع أن يتتبع تبدل العالم السياسي في حياة أشخاص كان لهم موقع داخله. فالسؤال عمّا خسره هؤلاء حين خسروا إسطنبول يشمل الوظيفة والنفوذ والقدرة على التنقل، ويصل إلى معنى المدينة نفسها في سيرتهم. ومن هنا يفيد صدور الترجمة العربية في إعادة طرح سؤال ظل حاضراً في قراءة تلك المرحلة. كيف فهم عربٌ عملوا في مؤسسات السلطنة موقعهم فيها، وكيف أعادوا فهمه حين تبدلت الدولة التي انتسبوا إليها؟
السلطة في نصوص الدستور والنفوذ خارج الحدود
في عمّان، صدر عن «الآن ناشرون وموزعون» كتاب «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون» للباحثة الأردنية هبة مرزوق الهباهبة. يبدأ الكتاب من الجذور الفلسفية للمبدأ، ثم يتتبع انتقاله إلى الدساتير وما يطرحه تطبيقه من إشكالات، منها تداخل الاختصاصات وشرعية التشريع والعلاقة بين القانون والعدالة. وتظهر أهمية الموضوع حين ننتقل من العبارة المألوفة، «الفصل بين السلطات»، إلى أسئلة يمكن طرحها على أي نظام سياسي. من يملك حق اتخاذ القرار؟ ومن يراجع هذا القرار؟ وكيف تُحلّ الخلافات حين تتنازع مؤسستان الاختصاص نفسه؟
ومن القاهرة، طرحت دار العين للنشر كتاب «إيران وما فيها» للباحثة هدى رؤوف، بتقديم علي الدين هلال. يتتبع الكتاب تطور سياسة النفوذ الإقليمي الإيراني منذ سنة 2003، والأدوات التي استخدمتها طهران لتوسيع حضورها، وصولاً إلى التساؤلات التي أثارتها تطورات سنة 2026 بشأن مستقبل دورها في المنطقة. وقراءة هذا المسار على مدى أكثر من عقدين تتيح للقارئ أن يضع الأحداث المتلاحقة في سياق أطول، وأن يتبين كيف تشكلت الأدوات السياسية التي يتكرر ذكرها في التغطيات اليومية.
قصيدة عراقية وخرائط تاريخية للمحيط الهندي
في الشعر، أعلنت دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع يوم 4 نونبر صدور ديوان «حين تطرق القصيدة أبواب الوطن» للأديب والدبلوماسي العراقي عصام البرّام. يلتقي في الديوان، بحسب تقديمه، الحنين إلى الوطن بتجربة الغربة وبقصائد تتصل بالحب والحرية. وتنبع قوة الصورة التي يقترحها العنوان من فعل مألوف هو طرق الباب. فالعودة تبدأ هنا عند عتبة يتذكرها الشاعر، فيما تحمل القصيدة شيئاً من أصوات المكان وروائحه والأشخاص الذين منحوه معناه.
وفي الشارقة، شهد افتتاح الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الكتاب، في اليوم نفسه، الإعلان عن إصدار سلطان بن محمد القاسمي «البرتغاليون في المحيط الهندي»، في 61 مجلداً بالعربية ومثلها بالإنجليزية. والعمل ثمرة سنوات طويلة من جمع الوثائق والبحث في تاريخ الحضور البرتغالي في المنطقة. ويمنح إعداده باللغتين الباحثين والقراء في أكثر من بلد فرصة للرجوع إلى المادة نفسها ومناقشتها عبر تقاليد مختلفة في كتابة التاريخ. وفي المعرض أيضاً، أعلن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات عن طرح 12 عنواناً جديداً تتوزع بين القصة والرواية والشعر والدراسات النقدية.
أعود في نهاية هذه الجولة إلى تطوان، إلى الفرن والمطبعة في «الخبز والكلمة». فالتفاصيل التي قد تمر سريعاً في حكاية عائلية هي نفسها التي يبحث عنها المؤرخ أحياناً كي يعرف كيف عاش الناس زمناً لا تختصره القرارات الرسمية. وبين أب يستعيد ابنه سيرته، وأسرة دمشقية يقرأ المؤرخ في مصيرها نهاية إمبراطورية، تتغير المسافة التي ننظر منها إلى الماضي. وقد يكون أجمل ما تتيحه لنا هذه الكتب أن نعود إلى أحداث نظن أننا نعرفها، وفي أذهاننا هذه المرة أشخاصٌ نريد أن نعرف كيف عاشوها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق