ظهر إشعار على هاتفي عند الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل. أحدهم أشار إليّ في صورة قديمة لفصلنا الدراسي بفاس. تحت الصورة كتب هشام السالمي: «كنتَ الوحيد الذي رأى رسالتي». عرفتُ الحساب من صورة صاحبه، بقميصه الأزرق الذي كان يلبسه حتى في أيام البرد. وقبل أن أفتح التعليق، تذكرتُ أن أمه هي التي اختارت له ذلك القميص في الصورة الموضوعة على رخامة قبره.
مرّت ست سنوات على موت هشام. طوال تلك المدة ظل حسابه يستقبل التهاني في عيد ميلاده. بعض المهنئين يعرفون أنه مات، وبعضهم يكتب ما تقترحه عليه المنصة ويمضي. أما أنا فكنت أفتح صفحته من وقت إلى آخر لأقرأ تعليقاتنا القديمة. كنت أستطيع، من الطريقة التي يكتب بها اسمي، أن أعرف إن كان غاضبًا مني أو يتهيأ ليطلب خدمة. وفي تلك الليلة بالذات، تذكرت شيئًا لم أعد أفعله منذ سنوات: إغلاق نافذة المحادثة قبل أن تظهر لصاحبها علامة القراءة.
كان التعليق قد اختفى. بقي الإشعار في سجل الهاتف، وبقي تحته اسم الصورة: «رحلة القسم إلى صفرو». كبّرتُ الوجوه واحدًا واحدًا حتى وصلت إلى هشام في الطرف الأيسر. يومها تبادلنا الأماكن لأن الشمس كانت في عينيه. كان يتذكر أشياء من هذا النوع، وكان يعود إليها بعد سنوات كأن لكل حركة صغيرة حسابًا مؤجلًا. فتحت المحادثة بيننا، ونزلت إلى آخر ما كتبه لي ليلة موته: «واش باقي فايق؟ بغيت نهضر معاك شوية». تحت الرسالة كانت كلمة «تمت المشاهدة».
في تلك الليلة القديمة كنت مستيقظًا فعلًا. قرأتُ كلامه من فراشي وقلت لنفسي إنني سأتصل به صباحًا. وقبل الظهر اتصل بي أخوه ليخبرني أن سيارة صدمته وهو يعبر الطريق إلى البيت. كل ما عرفته بعد ذلك عن ساعاته الأخيرة جاءني من الآخرين. أما الكلام الذي أراد أن يقوله لي، فقد ظللت أؤلف له احتمالات، ثم أستبعدها واحدًا واحدًا كلما تذكرت أنه كان يستطيع ببساطة أن يسألني عن كتاب تركه عندي.
عند الثالثة إلا ربعًا وصلني إشعار آخر. هذه المرة جاء من «سطوح فاس»، المنتدى الذي كنا نسهر فيه قبل أن تتفرق أحاديثنا بين المنصات. ظللت أدفع كلفة استضافته من باب العادة. كانت فيه قصائدنا الأولى وصور المقاهي التي أغلقت وأسماء أعضاء لا أعرف عنهم اليوم سوى ما كانوا يكتبونه في خانة التوقيع. فتح الرابط موضوعًا جديدًا عنوانه «الأعضاء المتصلون». وتحت العنوان كتب هشام: «دخلتَ من هاتفك. جرّب الحاسوب».
على الحاسوب ظهرت في الهامش قائمة لم أرها منذ أعوام. ضمّت ثلاثة أسماء: اسمي، واسم هشام، واسمًا كنت أستعمله للتجربة عندما كنت أدير المنتدى. نقرت على حساب التجربة، فظهر عنوان بريدي القديم وصلاحياتي السابقة. وفي اللحظة نفسها نشرت عضوة اسمها «وردة السطح» أول رد: «أنا أيضًا وصلني إشعار. إذا كنت هشام، قل لي ماذا أرسلت لك في آخر رسالة».
انتظرنا دقيقة تقريبًا. ظهر تحت اسمها أنه يكتب ردًا، ثم كتب: «صورة فرن أبيك بعد الحريق». حذفت وردة سؤالها، وبعد قليل اتصلت بي. أعرف صوتها، وإن كنت لم أسمعه منذ زواجها. قالت إن حساب أخيها الراحل أعاد في الليلة الماضية نشر إعلان بيع دراجته، بالسعر نفسه الذي كتبه قبل اثنتي عشرة سنة. ضحكت أول الأمر، ثم رأت أن الإعلان الجديد يحدد موعدًا للمعاينة في صباح اليوم التالي. الموعد يوافق ساعة تشييع جنازته. أخبرتني أنها أمضت الليل تجيب على أشخاص جادين يسألونها إن كانت الدراجة ما تزال معروضة.
رجعت إلى المنتدى فوجدت الموضوع يكبر. أحد الأعضاء اتهمني بإعادة تشغيل حسابات الموتى لجلب الزوار. صدقته للحظة أكثر مما صدقتُ وردة. كان باستطاعة شخص يملك نسخة من أرشيف المنتدى أن يقرأ الرسائل الخاصة وأن يكتب باسم أصحابها. وخطر لي أن أحدنا ربما أخذ تلك النسخة على سبيل المزاح القديم ثم أعاد فتحها اليوم. لكن العضو نفسه حذف اتهامه، ونشر بدلًا منه سؤالًا باسم أبيه. انتظر قليلًا، ثم كتب: «سأعود غدًا». ظل اسمه ظاهرًا في قائمة المتصلين حتى الفجر.
بعد الرابعة بقليل وصلني من هشام طلب صداقة على المنصة التي بدأ فيها كل شيء. استغربتُ الطلب، فقد كنا صديقين هناك منذ أن فتح حسابه. ضغطتُ على صورتي لأتحقق من قائمتي، فوجدت منشورًا باسمي يعرفه كل من حضر جنازته تقريبًا. كانت فيه صورته بالقميص الأزرق، وتحته كلام عن صداقتنا وعن صوت هاتفه الذي ما زلت أسمعه. بدأتُ أقرأ وأنا أستعيد أين كنت جالسًا عندما كتبتُ ذلك، ثم انتبهت إلى تاريخ المنشور. كان مؤرخًا بيوم غد. وفي أسفله ثلاثة تعليقات تعزية، أولها من هشام.
كتب: «قضيتُ الليل معه. كان يريد أن يتكلم».
اتصلتُ بأخي. ردّ بصوت ناعس وسألني إن كنت بخير. أخبرته عن المنشور ففتح صفحتي من هاتفه. قال إن آخر ما يراه فيها صورة قطة جلست على غطاء سيارتي قبل يومين. بقي معي على الخط وأنا أتنقل بين التعليقات. ظهر تعليق جديد يحمل اسمه وصورته: «عزاؤنا واحد». قرأتُه له بصوت مرتفع. سكت لحظة، ثم سألني إن كنت أريد أن يأتي.
قلتُ له نعم. وبينما كنت أسمع من الهاتف صوت مفاتيحه، عاد هشام إلى المنتدى وكتب: «واش باقي فايق؟ بغيت نهضر معاك شوية». وضعت يدي على لوحة المفاتيح. كتبتُ أولًا أنني كنت متعبًا تلك الليلة. مسحت الجملة. كتبتُ أنني حسبت الأمر بسيطًا. مسحتها أيضًا. ثم أرسلت إليه ما كان يمكن أن أرسله قبل ست سنوات: «إييه، باقي فايق. قول لي».
ظهر أنه يكتب. اختفت العلامة ثم عادت. وفي قائمة المتصلين التي كانت تتجدد وحدها، رأيت اسمي ينتقل إلى خانة «آخر ظهور». كان أخي ما يزال على الهاتف. سألني أيَّ زر يضغط عند الباب، فقلت له إنني سأنزل إليه. مددت يدي إلى مفتاح الضوء، فاهتز الهاتف برسالة من هشام.
«تسنى شوية. حتى أنا كنسمع الجرس».








0 التعليقات:
إرسال تعليق