الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 08، 2026

من نواكشوط إلى جوهانسبرغ… الثقافة الإفريقية تروي ذاكرتها : عبده حقي


على خريطة الثقافة الإفريقية في مطلع نوفمبر 2026، تبدو المسافة بين نواكشوط وجوهانسبرغ أقصر مما توحي به الجغرافيا. ففي العاصمة الموريتانية يتقاطع موعدان للتبادل الثقافي مع السنغال والمغرب، وفي داكار يستعد الفن الإفريقي المعاصر لموعده في البينالي، بينما تتجاور في أبيدجان أخبار الجوائز السينمائية مع مباحثات الإنتاج المشترك. وفي تامالي، شمال غانا، تستعد المدينة لمهرجان يجعل من التصوير الفوتوغرافي وسيلة لقراءة الذاكرة المحلية، فيما تستعيد ليبرفيل مسيرة إحدى أبرز أصواتها الغنائية، وتفتح مبادرة في جوهانسبرغ أبواب الاستوديوهات والصالات على شوارع حي ميلفيل. وما يستوقفني في هذه الجولة هو اختلاف الطرق التي يصل بها الفن إلى الجمهور، من المتحف وقاعة السينما إلى الحي الذي يسير فيه الناس كل يوم.

موريتانيا… نواكشوط على موعد مع جيرانها

تستعد نواكشوط لاستضافة الأسبوع الثقافي والاقتصادي لجمعية الصداقة السنغالية الموريتانية من 13 إلى 20 نوفمبر. ويتزامن جزء من برنامجه مع الدورة الثالثة من أسبوع المغرب في موريتانيا، المقررة من 16 إلى 22 نوفمبر، بمشاركة السفارة المغربية في نواكشوط ومنتدى الجنوب. وخلال خمسة أيام، من 16 إلى 20 نوفمبر، ستحتضن العاصمة الموريتانية فعاليتين تنظران إلى التعاون الإقليمي من زاويتين متكاملتين، إحداهما تصل موريتانيا بالسنغال، والأخرى تصلها بالمغرب.

أتابع هذا التقاطع من المغرب باهتمام خاص، لأن موقع موريتانيا بين المجالين المغاربي وغرب الإفريقي يكتسب معنى ملموسًا حين يجد الناس والمؤسسات فرصة للقاء في مدينة واحدة. واقتران الثقافة بالاقتصاد في مثل هذه المواعيد يثير سؤالًا عمليًا عن قدرة التبادل على الاستمرار بعد انتهاء الأسابيع الاحتفالية. فالتعارف بين الفاعلين الثقافيين يمكن أن يمهّد لاستضافة عروض ومعارض متبادلة، وأن يساعد الأعمال الفنية على الوصول إلى جمهور جديد. وتظل هذه الإمكانات مرهونة بما يتولد من اللقاءات نفسها من شراكات وبرامج لاحقة.

السنغال… من تعدد المناطق إلى أفق البينالي

في داكار، يتواصل حتى 15 نوفمبر معرض «بصمة مئة عام» في متحف الحضارات السوداء. ويجمع المعرض أعمال أربعة عشر فنانًا يمثلون مناطق السنغال الأربع عشرة، ضمن تجربة تلتقي فيها الأعمال المادية والإبداعات الرقمية، وتتجاور فيها أسئلة الفن والرياضة والتكنولوجيا. وتمنح هذه الصيغة زائر المتحف فرصة للتعرف إلى تجارب فنية جاءت من جهات متعددة داخل البلد، ورؤية ما يختلف في طرائق تعبيرها وما يجمع بينها.

وبعد أربعة أيام من الموعد المعلن لاختتام المعرض، يُرتقب افتتاح الدورة السادسة عشرة من بينالي داكار للفن الإفريقي المعاصر «داك آرت»، الممتدة من 19 نوفمبر إلى 19 ديسمبر. وفي الفترة نفسها، تنظم منصة «داكار آرت بلاتفورم» صالونًا للفن المعاصر من 19 إلى 26 نوفمبر، يتيح لعشرة فنانين تشكيليين شباب عرض أعمالهم بدعم من وزارة الثقافة. وأرى أن قيمة هذا التزامن تكمن في فرصة اللقاء بين جمهور يتابع تظاهرة قارية وفنانين شباب يسعون إلى توسيع دائرة عرض أعمالهم. فالمشاركة الأولى أمام جمهور متنوع قد تكون بداية علاقة مهنية مع صالة عرض أو قيّم فني، وقد تمنح الفنان أيضًا فرصة لاختبار كيفية تلقي عمله خارج محيطه المعتاد.

ساحل العاج… أبيدجان بين جوائز السينما ومشروعات الإنتاج

في السادس من نوفمبر، أُعلن في سينما ماجيستيك بحي كوكودي في أبيدجان عن فوز فيلم «Échos»، لجان مارك كوليبالي وفانيسا باتينفوه، بالجائزة الكبرى كودجو إبوكليه في مهرجان «كلاب إيفوار». ويمنح هذا التتويج الفيلم فرصة للظهور خارج دائرة جمهوره الأول، كما يسلط الضوء على الدور الذي تؤديه المهرجانات المحلية في تعريف المبرمجين والجمهور بالأعمال التي تستحق فرصًا إضافية للعرض.

وفي المدينة نفسها، وضعت الدورة السادسة من أسبوع السينما المغربية مسألة الإنتاج المشترك بين الرباط وأبيدجان في صلب النقاش. وأظهرت التغطية العاجية في السابع من نوفمبر رغبة الجانبين في تعزيز التعاون في هذا المجال. وأجد في هذا الخبر ما يدعو إلى متابعة ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء العروض. فالفيلم المشترك يطرح، منذ مرحلة الكتابة، أسئلة تتعلق باختيار القصص وأماكن التصوير وتشكيل فرق العمل، ثم يواجه بعد إنجازه سؤال التوزيع. وإذا أثمر الحوار مشاريع فعلية، فسيكون من المهم أن تجد هذه الأفلام طريقها إلى الجمهور في البلدين.

الغابون… ستة عقود من الغناء في ذاكرة ليبرفيل

كان السابع من نوفمبر الموعد المعلن لحفل الفنانة الغابونية باتيَنس داباني في قصر المؤتمرات بمدينة الديمقراطية في ليبرفيل، احتفاءً بستين عامًا من مسيرتها الغنائية. وتركزت التغطية التي اطلعت عليها على التحضير للحفل والإعلان عنه، لذلك يظل موعدًا معلنًا في هذه الجولة، إذ لم أجد تغطية لاحقة تؤكد إقامته.

وتدعو مناسبة كهذه إلى التفكير في ما تحمله المسيرة الغنائية الطويلة من تاريخ اجتماعي. فالأغنية التي تعود إلى جمهورها بعد عقود تحمل معها ذكريات الأماكن التي سُمعت فيها، والأصوات التي رافقتها في البيوت والإذاعات والحفلات. ويتيح الاحتفاء بفنانة امتدت مسيرتها ستة عقود للأجيال الأصغر فرصة للتعرف إلى جانب من تاريخ الموسيقى الغابونية، فيما يجد الجمهور الذي عاصر بداياتها مناسبة لاستعادة علاقته بذلك الزمن.

غانا… تامالي تقرأ ذاكرة الشمال بالصورة

أعلنت وكالة الأنباء الغانية في السابع من نوفمبر إطلاق الدورة الثانية من مهرجان شمال غانا للتصوير الفوتوغرافي، على أن تقام فعالياته من 16 إلى 21 نوفمبر في المركز الثقافي بمدينة تامالي. ويجمع المهرجان مصورين وباحثين وفاعلين ثقافيين وممثلين عن السلطات التقليدية. وما يميز هذا اللقاء أن الصورة تُعرض في المدينة التي تنتمي إليها الحكايات التي تتناولها، أمام جمهور يستطيع أن يقرأ تفاصيلها على ضوء ذاكرته ومعرفته بالمكان.

وفي أكرا، أعادت وزيرة السياحة والثقافة والفنون الإبداعية، دزيفا أبلاه غوماشي، طرح قضية صون التراث السمعي البصري، مؤكدة التزام الحكومة بدعم المبادرات المعنية به. وبين مهرجان تامالي وهذا الالتزام المعلن في العاصمة أرى صلة واضحة. فالمصور ينتج وثيقة عن الحاضر، ويعتمد المؤرخ أو الفنان في المستقبل على بقاء هذه الوثيقة وإمكان الوصول إليها وفهم سياقها. وكل صورة تحفظ معها أسماء أصحابها ومكان التقاطها وقصتها تمنح الذاكرة العامة مادة أغنى من الصورة التي تبقى معلقة بلا سياق.

جوهانسبرغ… صالات العرض تفتح أبوابها على الحي

في جوهانسبرغ، أدرجت مبادرة «ميلفيل آرت مايل» الخامس من نوفمبر ضمن برنامج جولتها الفنية الشهرية. وتقوم فكرتها على فتح صالات العرض والاستوديوهات والفضاءات المجتمعية خلال أمسية واحدة، بحيث يستطيع الزائر الانتقال سيرًا بين مواقع الفن والموسيقى في حي ميلفيل. وقد يبدأ اللقاء بالفن هنا من باب استوديو يمر أمامه المرء في طريقه اليومي، أو من معرض صغير يكتشفه وهو يتجول في الحي.

يستوقفني في تجربة ميلفيل هذا التغيير البسيط في طريقة الوصول إلى الفن. ففي داكار يدعو البينالي الجمهور إلى موعد يمتد شهرًا، وفي تامالي يجتمع المهتمون بالصورة في مركز ثقافي، أما في ميلفيل فيصنع الزائر برنامجه بنفسه، باختيار الطريق الذي يسلكه والأبواب التي يتوقف عندها. وبين هذه الصيغ المختلفة تتضح قيمة المكان في الحياة الثقافية. فالمتحف يتيح تأمل أعمال اجتمعت من مناطق متباعدة، وقاعة السينما تمنح الفيلم فرصة لقاء جمهور جديد، والحي يهيئ لقاءات قد تبدأ بالمصادفة وتستمر في الزيارة التالية.


0 التعليقات: