في صباح أحدٍ من أواخر الخريف، خرج إدريس يتفقّد مصيدةً نصبها قرب ساقية في دوّار من ضواحي مكناس. كان موسم جني الزيتون يوشك أن ينتهي، وعلى الطريق الترابي بقيت آثار الشاحنات التي نقلت المحصول إلى المعاصر. عند المطحنة القديمة، حيث كان أبوه يصلح أحزمة البغال أيام السوق، لمح حذاءً يبرز من فتحة الباب. دفع المصراع بكتفه فرأى رجلاً معلّقاً بعارضة السقف، وقد لامست إحدى قدميه الأرض. تراجع إلى الساقية واتصل بالدرك. ومن هناك رأى شاحنة بيضاء وسط حقل محروث. عرفها من ستارتها الزرقاء قبل أن يعرف صاحب الحذاء.
كان اسم الشاب ياسين المريني. في الثامنة والعشرين، ترك عملاً في محل للتصوير بمكناس واشترى الشاحنة بمساعدة أمّه، رقية. ثبّت فيها سريراً ضيقاً ورفّاً لآلة التصوير، وصار يتنقّل بين الضيعات بحثاً عن عمل موسمي. كان يصوّر رفاقه عند الاستراحة ويطبع لهم الصور عند عودته إلى المدينة. قبل موته بأسبوع اتصل بجدّه ووعده بأن يصوّره أمام الفرن الذي عمل فيه أربعين سنة. وحين رنّ الهاتف في بيت رقية ذلك الأحد، كانت تخرج خبز الشعير من الفرن وتطلب من أبيها أن يترك لياسين رغيفاً جانباً.
رجّح المعاينون في البداية أن يكون الشاب قد أنهى حياته. وُجد سلك كهربائي مربوط بالعارضة، وتحتها دلو مقلوب. لكن الدلو كان بعيداً عن قدميه، وعلى وجهه كدمات أثارت انتباه الطبيب. أظهر التشريح أن ياسين تلقّى ضربات متعدّدة قبل وفاته، وأنه مات اختناقاً. وبقي منشأ الاختناق ملتبساً في التقرير الأول. وفي الشاحنة، كانت الأدراج مفتوحة والبطانية على الأرض. وعلى لوحة القيادة عثر أحد الدركيين على ظرف فيه صور لعمّال الضيعة، وعلى ظهر كل صورة اسم صاحبها مكتوباً بقلم رصاص.
قاد الظرف المحقّقين إلى ساحة تجمّع فيها العمّال مساء الجمعة للاحتفال بانتهاء الجني. كانت نزهة، إحدى العاملات، قد جلست مع ياسين في شاحنته بعيداً عن ضجيج السهرة. وبعد وقت قصير خرجت باكية. قال رشيد، الذي كان يتولّى توزيع العمل في الضيعة، إن ياسين اعتدى عليها. أحاط به ثلاثة رجال وسألوه عمّا جرى. وفي إفاداتهم الأولى قالوا إنهم صفعوه، وإنه عاد إلى شاحنته وغادر بعد منتصف الليل. رووا الحكاية بالترتيب نفسه، حتى إن اثنين منهم حدّدا لحظة انطلاق المحرّك بانتهاء أغنية كانت تُذاع من هاتف أحد العمّال.
عادت نزهة إلى مقر الدرك بعد أيام. قالت إنها تشاجرت مع ياسين على أمر يخصّهما، وإنها كانت تبكي حين خرجت لأنهما تبادلا كلاماً جارحاً. كانت قد سمعت رشيد يردّد روايته أمام الآخرين، وحاولت أن تشرح له ما جرى. وحين ارتفعت الأصوات، أخذتها عاملة إلى بيتها. ظلّت هناك حتى صباح الأحد، وهي تظنّ أن ياسين غادر الضيعة. سألها المحقّق عمّا فعله رشيد عندما صحّحت له الحكاية. فكّرت قليلاً ثم قالت إنه طلب منها أن تدخل البيت وتترك الرجال يتفاهمون.
أعاد الدركيون استجواب العمّال فرادى. تذكّر أحدهم أن نظّارة ياسين سقطت أثناء الضرب، وأنه رفعها من الأرض ووضعها فوق كيس زيتون كي لا تدوسها الأقدام. ودلّهم آخر على الموضع الذي بقي فيه ياسين مربوط اليدين معظم يوم السبت، خلف عربة تُستخدم لإعداد الطعام. وقبيل حلول الظلام رآه صديقه حميد وحاول إقناع الرجال بنقله إلى المستشفى. كان ياسين يرتجف ويجد صعوبة في الكلام. وحين عاد حميد بسيارة استعارها من أخيه، وجد العربة خالية. بقيت النظّارة فوق الكيس حتى صباح اليوم التالي. وعندما سمع صاحب الضيعة بخبر العثور على الجثة، لفّها في منديل ووضعها في درج مكتبه. كان ياسين يستعين بها حتى لتمييز الأرقام على ميزان الزيتون. تذكّر صاحب الضيعة ذلك وهو يسلّمها إلى المحقّق، ثم أخرج من الدرج دفتر الأجور. ظلّ اسم ياسين في آخر الصفحة، وإلى جانبه مبلغ لم يتسلّمه.
اعترف رشيد أخيراً بأنه قاد الشاحنة تلك الليلة، وأن عاملاً آخر جلس إلى جواره فيما كان ياسين ممدّداً في الخلف. قال إنهما تركاه حيّاً في الحقل. وأقرّ العامل الثاني بالرحلة، لكنه زعم أنه غادر الطريق قبل وصول الشاحنة إلى المطحنة. وفي إعادة تمثيل الوقائع، ساق أحد الدركيين الشاحنة من الضيعة إلى الحقل. توقّف عند منعطف اختفى منه ضوء الطريق الرئيسي. كان على من يقود في ذلك الظلام أن يعرف المسلك جيداً، فقد انقسم عند شجرة خروب إلى طريقين متشابهين، ينتهي أحدهما عند المطحنة والآخر عند بئر مهجورة.
رجّحت الخبرة الطبية الثانية أن ياسين تعرّض للخنق قبل تعليق جثته. وفي المحكمة، شهد حميد بما رآه خلف العربة، وروت نزهة كيف تحوّل بكاؤها إلى حكاية يرويها كل واحد على لسانها. أدانت المحكمة رشيداً واثنين من رفاقه بالاحتجاز والاعتداء، وأدانت عاملاً آخر لامتناعه عن طلب النجدة. أما تهمة القتل فبقيت معلّقة على ما حدث بين الحقل والمطحنة. وحين سألت رقية الرجلين، في آخر الجلسة، مَن منهما رافق ابنها إلى باب المطحنة، راح كل واحد ينظر إلى الآخر. انتظرت قليلاً ثم جلست قرب أبيها.
بعد صدور الحكم، أعاد الدرك إلى رقية أغراض ابنها. وضعت الصور على مائدة المطبخ ومرّت بإصبعها على الأسماء. جاء حميد بعد العصر، فأعطته صورته. ظهر فيها مستنداً إلى سلّم خشبي، يضحك ويمدّ نحو المصوّر حفنة من الزيتون. وبعد أن انصرف، وجدت في الظرف صورة لم ترها من قبل. كان أبوها يقف عند باب الفرن، وقد رفع ساعده ليحجب الشمس عن عينيه. قلبت الصورة. كتب ياسين على ظهرها بخطّه الصغير: «هذه من بعيد. يوم الأحد أصوّرك من قريب».
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق