أرى في الدعوة الصادرة عن تيار «خط الشهيد»، المعارض لقيادة البوليساريو، إلى تبني الحكم الذاتي في إطار المملكة المغربية، موقفًا يستحق قراءة سياسية تتجاوز الاحتفاء العابر. فقيمة هذا الموقف تنبع من صدوره عن صوت عرف تجربة الجبهة وتناقضاتها، وبدأ يقيس الخيارات السياسية بما تحققه للناس من كرامة واستقرار وقدرة على تدبير حياتهم. وحين يتحول انتظار الاستفتاء إلى عقود تتوارثها الأجيال، يصبح السؤال عن جدوى الاستمرار في الرهان نفسه سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا مشروعًا.
يدعو النص المنشور على موقع التيار إلى تجنب التصعيد، والتوجه نحو حكم ذاتي يتيح للصحراويين تسيير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار المملكة المغربية. وأجد في هذه الدعوة اعترافًا بأهمية الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسويته، ومن استدامة الانتظار إلى بناء مؤسسات تفتح أمام السكان أفقًا ملموسًا للمشاركة. وهي، مع ذلك، تظل موقفًا لتيار معارض، ولا يصح نسبتها إلى القيادة الرسمية للبوليساريو أو اعتبارها تعبيرًا تلقائيًا عن جميع الصحراويين.
في تقديري، تكمن قوة السياسة المغربية في أنها وضعت مقترحًا قابلًا للنقاش والتطوير على طاولة نزاع استهلك الكثير من الزمن والفرص. فمنذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، أصبح بالإمكان مناقشة شكل المؤسسات والصلاحيات والضمانات داخل تصور سياسي واضح. وهذا هو المعنى الذي يجعلني أساند المبادرة: قدرتها على الجمع بين سيادة الدولة وحق السكان في إدارة شؤونهم ضمن ترتيبات مؤسساتية يجري التفاوض بشأنها.
ولا يحتاج تثمين هذا المسار إلى المبالغة في قراءة القرارات الدولية. فالقرار 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، يدعم مفاوضات تتخذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا لها، ويشير إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق. وهذه صياغة تمنح المبادرة المغربية وزنًا سياسيًا واضحًا، مع إبقاء الوصول إلى الحل النهائي مرتبطًا بالتفاوض والقبول المتبادل. وأرى أن قوة الدبلوماسية المغربية تستفيد من الدقة في عرض هذا المكسب، لأن المصداقية جزء من عناصر الإقناع.
إن ما يلفتني في موقف «خط الشهيد» هو إعادة الإنسان إلى مركز النقاش. فالأجيال التي نشأت في المخيمات تحتاج إلى مستقبل يمكن تخيله والعمل من أجله: تعليم وعمل وحياة أسرية مستقرة ومشاركة سياسية. ولا يمكن لأي مشروع أن يطلب من الناس تعليق أعمارهم إلى أجل غير معلوم، ثم يجعل من طول انتظارهم دليلًا على وجوب مواصلة الانتظار. لهذا تبدو مراجعة الخيارات المتعثرة علامة مسؤولية، متى انطلقت من مصلحة السكان واستندت إلى حوار حر.
ومن هذا المنطلق، أعتبر أن دعم الحكم الذاتي يكتسب معناه الكامل حين يرتبط بجدية مضمونه. فالحديث عن تدبير الشؤون المحلية يستدعي مؤسسات تمثيلية ذات صلاحيات واضحة، وضمانات قانونية، ومساءلة، ومشاركة فعلية للنساء والشباب ومختلف الحساسيات. وكلما اتضح هذا المضمون، ازدادت قدرة المقترح المغربي على إقناع المترددين وتحويل التأييد السياسي إلى ثقة مستدامة. إن أفضل دفاع عن المبادرة هو إبراز ما تستطيع تقديمه لحياة الناس اليومية.
ويستحق طلب التيار إشراك مختلف القوى السياسية الصحراوية اهتمامًا خاصًا. ففي رأيي، يحتاج أي حل مستقر إلى الإنصات لتعدد الأصوات والتجارب، وإتاحة المجال أمام التعبير السلمي عن الاختلاف. والمغرب يستطيع تعزيز جاذبية مقترحه بترسيخ هذا الأفق الجامع، بحيث يشعر المعنيون بالتسوية بأن لهم دورًا في صياغتها ومسؤولية في إنجاحها.
لهذا أثمّن السياسة المغربية حين تتمسك بالحكم الذاتي باعتباره أفقًا عمليًا للتسوية، وأرى في موقف «خط الشهيد» فرصة لتوسيع النقاش حوله. فنجاح المغرب سيكون أعمق أثرًا كلما اقترن بتقليص المخاوف وبناء الثقة وفتح أبواب المشاركة. وعندئذ يمكن أن يتحول الخروج من منطق الانتظار إلى مشروع حياة، وأن تصبح التسوية مدخلًا للمصالحة والتنمية والتعاون في فضاء مغاربي أنهكه استمرار النزاع.







0 التعليقات:
إرسال تعليق