الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 05، 2026

ردا على لقاء قناة النهار مع وزير جبهة بوليساريو محمد يسلم بيسط : عبده حقي

 


حين أقرأ الحوار الذي أجرته قناة النهار الجزائرية مع المسؤول عن العلاقات الخارجية في جبهة البوليساريو، أجد خطابًا يحاول تحويل تعثر دبلوماسي داخل مجلس الأمن إلى انتصار سياسي شامل. فالمغرب، بحسب الرواية المقدمة، خسر معركته، والحكم الذاتي انتهى، والجزائر أثبتت صحة مواقفها. لكنني أرى أن هذه الخلاصات تتجاوز الوقائع، وتعوض غياب الأفق العملي بكثافة التعبئة، بدل تقديم إجابات واضحة عن مستقبل النزاع وكلفته الإنسانية والسياسية.

أول ما يستوقفني هو طبيعة الأسئلة التي تتبنى أحكام الضيف قبل أن يجيب. فالمحاور يستخدم أوصافًا اتهامية للمغرب، ويقدم سقوط الحكم الذاتي باعتباره حقيقة محسومة. وهكذا يتحول اللقاء إلى تأكيد متبادل لرواية واحدة، بينما تغيب الأسئلة المتعلقة بمسؤولية قيادة البوليساريو عن استمرار الانتظار، وحصيلة اختياراتها، والبدائل التي تقترحها للسكان. وأنا أعتقد أن الصحافة تفقد وظيفتها النقدية عندما تمنح المسؤول فرصة للمرافعة دون أن تختبر منطقه أو تسائله عن النتائج.

وتظهر المبالغة حين يكرر المتحدث أن مقترح الحكم الذاتي دُفن نهائيًا. فالوقائع المتعلقة بتصويت مجلس الأمن في الثلاثين من أكتوبر 2026 تبين أن المشروع الأمريكي حصل على أحد عشر صوتًا مؤيدًا، لكنه لم يعتمد بسبب الفيتو الروسي. أما المشروع الروسي المقابل فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة. لذلك أقرأ النتيجة باعتبارها تعطلًا في التوافق داخل المجلس، ولا أجد فيها دليلًا على إجماع دولي ضد المبادرة المغربية أو على انتهاء صلاحيتها السياسية.

وأميز هنا بين إسقاط مشروع قرار وإسقاط المبادرة التي يستند إليها. فعدم اعتماد نص لا يعني اعتماد نقيضه، ولا يمنع استمرار البحث عن صيغ أخرى للتفاوض. كما أن القرار الأممي الصادر سنة 2025 كان قد اتخذ مقترح الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، ضمن السعي إلى حل سياسي مقبول من الأطراف. ومن ثم، فإن إعلان نهايته الأبدية يبدو لي رغبة دعائية أكثر مما يمثل قراءة دقيقة لمسار دبلوماسي مفتوح على التحولات.

وينطبق الأمر نفسه على تفسير المواقف الأوروبية. فالتصويت لصالح مشروع تفاوضي لا يساوي بالضرورة الاعتراف بالسيادة المغربية، كما أن التحفظ على الاعتراف لا يعني تبني أطروحة البوليساريو. وأنا أرى أن الخطاب يتجاهل هذه الفروق، فيصف المواقف التي لا توافقه بالتناقض والخيانة. لكن الدبلوماسية تتحرك بين مستويات متعددة من التأييد والتحفظ، ولا يجوز اختزالها في تقسيم العالم إلى أنصار مطلقين وخصوم مطلقين.

أما انتهاء ولاية المينورسو، فلا أراه مناسبة للاحتفال أو للمزايدة. فاستمرار المسار السياسي بعد البعثة لا يلغي أهمية آليات المراقبة وبناء الثقة وتخفيف التوتر. ومن موقعي الداعم للوحدة الترابية المغربية، أعتقد أن قوة المغرب تكمن في الجمع بين حماية السيادة والمحافظة على السلام، ومواصلة العمل الدبلوماسي. فالنجاح الحقيقي يقاس بما يفتح من فرص للتسوية، وبما يحمي السكان من المخاطر، وليس بمجرد رحيل بعثة أو تعثر قرار.

ويكشف الحضور الكثيف للجزائر داخل الحوار مركزية دعمها في حسابات البوليساريو. فالإشادة بمندوبها تتحول إلى مديح شامل للدولة وتاريخها، بينما يغيب السؤال عن مسؤوليتها السياسية في البحث عن مخرج. وأنا أرى أن التسوية الواقعية تتطلب أخذ دور الجزائر وتأثيرها في الحسبان. وفي الوقت نفسه، أرفض تحويل الخلاف مع سياساتها إلى خصومة مع الشعب الجزائري، لأن مستقبل المنطقة يحتاج إلى التعاون، ولأن التاريخ التحرري لا يعفي أي سياسة راهنة من النقد.

وفي ملف حقوق الإنسان، أرفض الانتقائية التي تجعل الاتهامات موجهة إلى طرف واحد. فأي ادعاء بانتهاك داخل الأقاليم الجنوبية يستحق التوثيق والتحقيق والضمانات القضائية، كما تستحق أوضاع المخيمات مساءلة جادة بشأن حرية التعبير والتنقل والاختيار السياسي. ولا أقبل تصوير السؤال عن مستقبل سكان المخيمات باعتباره اعتداء عليهم. فهؤلاء بشر لهم حق في حياة كريمة، ولا ينبغي أن تتحول معاناتهم إلى حجة لإعفاء القيادة من المحاسبة.

وفي موضوع الثروات، أرى ضرورة التمييز بين الأحكام الأوروبية المتعلقة باتفاقات تجارية وشروط الموافقة عليها، وبين الحسم الشامل في النزاع والسيادة. فهذه الأحكام لا تمنح ضمانة مسبقة بالفوز في كل دعوى مستقبلية. وبالمثل، أجد أن استحضار فلسطين عبر اتهام المغرب ببيع دم الفلسطينيين يستبدل البرهان بالإثارة العاطفية. فمن حق الجميع نقد العلاقات المغربية الإسرائيلية، لكن الحقوق الفلسطينية تستحق دفاعًا مستقلًا وجادًا، ولا يصح استخدامها لإغلاق النقاش حول قضية أخرى تختلف في سياقها ومسارها.

وأتوقف عند إعلان الاستعداد للتفاوض، فيما تحدد النتيجة مسبقًا ويجري استبعاد البدائل قبل مناقشتها. فالتفاوض الجدي يحتاج إلى بحث الصلاحيات والتمثيل السياسي والموارد والأمن والضمانات. ومن هذا المنظور، أدافع عن الحكم الذاتي المغربي باعتباره مشروعًا يمكن تطوير تفاصيله وضماناته، ويفتح سبيلًا للخروج من إدارة النزاع إلى بناء تسوية. أما الدعوة المتكررة إلى التضحية والالتفاف حول القيادة، فتحتاج إلى أن تقابلها مساءلة صريحة عن حصيلة العقود الماضية وعن الثمن الذي دفعته الأسر والأجيال.

لهذا أعتقد أن الرد المغربي الأقوى يجمع الحجة الدقيقة والثقة السياسية، ويعزز المشاركة والحقوق والتنمية إلى جانب الدفاع الدبلوماسي عن المبادرة المغربية. وما أستخلصه من الحوار أن تعطيل قرار يمكن تسويقه إعلاميًا بوصفه انتصارًا، لكنه لا يمنح المنتظرين مستقبلًا. وأنا أقيس جدوى المواقف بقدرتها على تقليل المعاناة وفتح أفق للحياة، وأرى أن القيادة المسؤولة مطالبة بتقديم حلول قابلة للنقاش والتنفيذ، وبشرح تنازلاتها وضماناتها، وبقبول محاسبتها على النتائج. فالشعوب لا تعيش على تكرار الوعود، ومن حقها أن تعرف إلى أين تسير، ومتى يتحول خطاب الانتصار إلى سلام ملموس وحياة كريمة ومستقبل آمن لأبنائها جميعًا.


0 التعليقات: