الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 05، 2026

نظرة حول حراك الثقافة والإعلام في البلدان العربية؟ بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


حين أتأمل أخبار الثقافة والإعلام في مصر والسعودية والإمارات وقطر ولبنان والأردن والعراق خلال الأيام الأولى من نوفمبر 2026، أجدني أمام مشهد تتجاور فيه حيوية المعارض والمهرجانات مع أسئلة مهنية وفكرية تزداد إلحاحاً. فالكتاب يبحث عن قارئه في فضاء مزدحم بالشاشات، والسينما تسعى إلى توسيع جمهورها وتثبيت شروط إنتاجها، والصحافة تحاول استيعاب الذكاء الاصطناعي والدفاع عن صدقيتها في الوقت نفسه. وأرى في هذا التزامن فرصة لفهم العلاقة المتغيرة بين الثقافة العربية ومؤسساتها وجمهورها، بعيداً عن الاكتفاء بعدّ التظاهرات أو ترديد الشعارات المصاحبة لها.

أبدأ من مصر، حيث استوقفتني التغطيات المتعلقة باحتفاء المتحف المصري الكبير بمرور عام على افتتاحه، وإطلاق تجربة «الشمس الأبدية» التي تجمع الضوء والموسيقى واستحضار التاريخ. وأقرأ في هذه المقاربة رغبة في تقديم التراث بلغة حسية تستطيع مخاطبة زائر اعتاد الصورة المتحركة والإيقاع السريع. فالمتحف المعاصر، في تصوري، يكتسب قيمته من قدرته على جعل المعرفة تجربة حية، تتيح للزائر أن يسأل ويتأمل ويربط الماضي بحاضره. غير أن نجاح هذه التجربة يظل مرتبطاً بما تمنحه من فهم، وبقدرتها على تحويل الانبهار البصري إلى فضول معرفي يستمر بعد انتهاء الزيارة.

وفي الجانب الإعلامي المصري، يلفتني إعلان توفير عشرين مليون جنيه بوصفها دفعة أولى من إعانة غير متكررة لنقابة الصحفيين، إلى جانب قرارات تسمح بعودة برامج تلفزيونية بعد تصويب أوضاعها. وأرى أن هذه الأخبار تفتح ملفين متداخلين: الشروط الاقتصادية للعمل الصحفي، والقواعد المهنية التي تضبط الممارسة. فالحديث عن جودة الصحافة يستدعي النظر إلى وضع الصحفي نفسه، وإمكانات التدريب والتحقيق والوصول إلى المعلومات. كما أن تنظيم البث يطرح، من وجهة نظري، سؤال وضوح المعايير واتساق تطبيقها، بما يساعد المؤسسات والجمهور على فهم المسؤوليات والحقوق.

وحين أنتقل إلى السعودية، أجد في الإعلان عن الدورة الخامسة لمهرجان الأفلام الأوروبية بالرياض، ببرنامج يضم ستة عشر فيلماً حائزاً على جوائز، مساحة لتوسيع المشاهدة والاحتكاك بتجارب سردية وجمالية متنوعة. وأعتقد أن قيمة المهرجانات تنمو حين تتيح للجمهور مشاهدة أعمال يصعب العثور عليها في العرض التجاري المعتاد، وحين تصبح مناسبة للحوار بين المتفرج وصانع الفيلم والناقد. فتنوع الأفلام يدرّب العين على اختلاف الإيقاع والأسلوب، ويمنح النقاش السينمائي مادة أوسع من أحكام الإعجاب السريع أو الرفض المباشر.

وأربط هذا الحضور السينمائي بخبر تكثيف مكتبات الطفل بمكتبة الملك عبدالعزيز العامة برامجها التفاعلية عن بُعد تحت شعار «نصلكم بالمعرفة». ففي هذا التوجه أرى إمكاناً لتوسيع الاستفادة من الخدمات الثقافية، خصوصاً لدى الأسر التي تحول المسافة أو ظروفها اليومية دون زيارة المكتبة بانتظام. لكنني أظل منشغلاً بنوعية العلاقة التي تقيمها هذه البرامج مع الطفل: هل توقظ لديه الرغبة في اكتشاف كتاب، وهل تمنحه فرصة للتعبير والمشاركة؟ بالنسبة إليّ، تتحدد قيمة الوسيلة الرقمية بالأثر الذي تتركه في عادة القراءة، وفي استقلال الطفل الفكري وقدرته على التخيل.

وفي الإمارات، يتقدم معرض الشارقة الدولي للكتاب واجهة المشهد، مع افتتاح دورته الخامسة والأربعين وحضور سلطنة عُمان ضيف شرف، وتوقيع موسوعة «البرتغاليون في المحيط الهندي». وأستحضر هنا دور المعرض بوصفه مكاناً تلتقي فيه صناعة النشر بالبحث التاريخي والذاكرة المشتركة. فاستضافة بلد عربي تتيح، متى أحسن بناء برنامجها، تجاوز التعارف الاحتفالي إلى اكتشاف أدبه وتحولاته وأسئلته. كما أن تقديم عمل تاريخي موسوعي يذكّرني بحاجة المجال الثقافي إلى البحث الطويل، في زمن يكافئ السرعة ويختصر المعرفة أحياناً في مقتطفات عابرة.

ويمتد هذا المشهد إلى العين، حيث تستمر أنشطة مهرجان الحرف والصناعات التقليدية، وتتجه الاستعدادات نحو مهرجان العين للكتاب. وأرى في الجمع بين الحرفة والقراءة تعبيراً عن اتساع مفهوم الثقافة؛ فمعرفة المجتمع تعيش في الكتب، وفي المهارات التي تتناقلها الأيدي أيضاً. وأتطلع إلى أن تمنح هذه التظاهرات للحرفيين فرصاً مستمرة للتعلم والعمل ونقل خبراتهم، وأن تجعل مشاركة المؤلفين مدخلاً إلى علاقة متجددة بين الكتاب والجمهور.

أما إعلامياً، فإن زيارة نادي دبي للصحافة إلى الدوحة ولقاءاته بمؤسسات قطرية تضع أمامي سؤال النتائج التي يمكن أن يثمرها تبادل الخبرات. وأعتقد أن أثر مثل هذه الزيارات يظهر في مشاريع التدريب والإنتاج المشترك وتطوير طرق الوصول إلى الجمهور. فالمؤسسات العربية تواجه كثيراً من الأسئلة المتقاربة، من كلفة المحتوى الجيد إلى تغير عادات المتابعة، ولذلك يمكن للتعاون العملي أن يمنحها معرفة أوسع وقدرة أكبر على التجريب.

وفي قطر، يستوقفني برنامج متاحفها لشهر نوفمبر، بما يجمعه من ورش للخط والفنون والأزياء والمجوهرات والعمارة، وبما يتيحه من أنشطة لفئات عمرية مختلفة. وأجد دلالة خاصة في الورش المستوحاة من معرض يتناول جماعة بغداد للفن الحديث وإرثها؛ إذ يسمح هذا النوع من البرامج بوصل الجمهور بتجارب عربية أسهمت في صياغة الحداثة الفنية. وأرى أن المتحف يوسّع وظيفته التعليمية حين يدعو الزائر إلى الرسم والتجريب والتفسير، ويمنحه أدوات لبناء علاقته الخاصة بالعمل الفني.

ويتجاور ذلك مع تقديم المؤسسة القطرية للإعلام ورقة حول توظيف الذكاء الاصطناعي وتأثيره في العنصر البشري، خلال اجتماعات اللجنة الدائمة للإعلام العربي بالقاهرة. وهذا سؤال يعنيني بصفتي كاتباً وصحفياً، لأن التحول التقني يمس صميم العمل الذي نمارسه. وأرى إمكانات مفيدة لهذه الأدوات في البحث الأولي والتفريغ والترجمة وتنظيم المواد، لكنني أتمسك بمسؤولية الصحفي عن التحقق والسياق والحكم التحريري. كما أعتقد أن تطوير المؤسسات يستدعي تدريب العاملين وإشراكهم في قرارات التحول، حتى تصبح التقنية وسيلة لتحسين المهنة وتوسيع قدراتها.

وفي لبنان، أقرأ خبر منح أنطوان الدويهي جائزة «أفضل رواية عربية» عن «الشتاء الكبير» باعتباره مناسبة للعودة إلى العمل الأدبي نفسه. فالجائزة تستمد جانباً من قيمتها من قدرتها على توجيه القراء إلى كتاب ومساعدتهم على اكتشاف عالمه. وقد استوقفتني في التغطية الإشارة إلى الذاكرة والحياة الداخلية وعلاقة الإنسان بالمكان، وهي قضايا تمنح الرواية قدرتها على الاقتراب من التجربة البشرية في تفاصيلها الدقيقة. وأتمنى دائماً أن يتبع التتويج تداول نقدي وقرائي يطيل عمر الكتاب خارج لحظة الإعلان.

كما أجد في تكريم جورج خباز في مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة، وعودة مهرجان جامعة الكفاءات السينمائي تحت شعار «احترام التنوع»، إشارتين إلى أهمية اللقاء الثقافي والاعتراف بالمسارات الفنية. وأقرأ التنوع هنا باعتباره ممارسة تبدأ باختيار الأفلام وإتاحة النقاش والإنصات إلى التجارب المختلفة، ثم تتسع لتشمل طريقة تعامل المؤسسات مع المبدعين والجمهور.

ويقدم الأردن بدوره مسارين جديرين بالمتابعة. أولهما التعاون الثقافي مع العراق، بما يشمله من حضور متبادل في المعارض والمهرجانات، وآفاق للعمل في الوثائق والمحفوظات. وأرى أن صون الأرشيف يتيح للباحثين والكتاب إعادة قراءة التاريخ على أسس أوثق، ويمنح الذاكرة العامة مصادر يمكن الرجوع إليها ومناقشتها. أما المسار الثاني، فيتمثل في فوز وكالة «بترا» بجائزة أفضل تحقيق رقمي عن عمل يتناول دور الذكاء الاصطناعي في مواجهة الأخبار الزائفة. وأجد في موضوع التحقيق حافزاً لمناقشة كيفية اختبار أدوات التحقق، وحدود الاعتماد عليها، والمسؤولية البشرية عن نتائج استخدامها.

وأصل إلى العراق، حيث طرحت «المدى» سؤالاً أراه مركزياً: «الفيلم الروائي الطويل في العراق.. مشروع مؤجل أم صناعة غائبة؟». وأقرأ في هذا العنوان انتقالاً بالنقاش من الاحتفاء بالموهبة إلى البحث في شروط استمرارها. فالفيلم الطويل يحتاج إلى تمويل وتكوين وإنتاج وتوزيع وقاعات وجمهور، ويحتاج أيضاً إلى تراكم الخبرة بين مشروع وآخر. لذلك أرى أن مناقشة الصناعة تمنح الحديث عن السينما بعداً عملياً ضرورياً.

وتكتمل هذه الصورة مع خبر تكريم المايسترو حسين عبدالواحد، والكتابة عن مسيرة الصحفي حسام الصفار، وطرح سؤال العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي. وأجد في هذا التجاور صلة بين حفظ الخبرة ومراجعة المستقبل؛ فالثقافة تحتاج إلى الاعتراف بمن صنعوا تراكمها، وإلى منح الأجيال الجديدة حق مساءلة أدواتها ومؤسساتها. ومن موقعي ككاتب مغربي، أتابع هذه الحركة العربية وأحمل معي سؤالاً يظل مفتوحاً بعد كل مهرجان وجائزة واجتماع: ما الذي يصل فعلاً إلى القارئ والمشاهد والصحفي الشاب، وما الفرص التي تصبح متاحة له كي يشارك في إنتاج الثقافة وصياغة روايته عن العالم؟



0 التعليقات: