الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 05، 2026

الهجرة في عالم مضطرب: حدود تزداد صرامة ورحلات تزداد خطورة الكاتب المغربي عبده حقي


تتكشف أوضاع الهجرة والمهاجرين في العالم، مع اقتراب نهاية عام 2026، عن مفارقة قاسية: تتراجع أعداد الوافدين عبر بعض المسارات، بينما تستمر المآسي الإنسانية وتتزايد خطورة الرحلات في مسارات أخرى. وبين الحروب التي تقتلع السكان من بيوتهم، والسياسات التي تضيق فرص الوصول والإقامة، وأسواق العمل التي تحتاج إلى الأيدي العاملة الأجنبية، يعيش ملايين الأشخاص في منطقة معلقة بين الرغبة في الاستقرار والخوف من الترحيل. وتبدو الهجرة، في هذا المشهد، اختبارا لقدرة الدول على الجمع بين تنظيم الحدود وحماية الإنسان.

ولفهم الصورة العالمية، ينبغي تجاوز اختزال الهجرة في القوارب المكتظة والأسلاك الحدودية. فقد بلغ عدد المهاجرين الدوليين نحو 304 ملايين شخص في منتصف عام 2024، وهو تقدير يشمل المقيمين خارج بلدان ميلادهم لأسباب متعددة، من العمل والدراسة إلى الالتحاق بالعائلة والبحث عن الحماية. ولا يمثل هذا الرقم عدد الذين هاجروا خلال سنة واحدة، كما لا يعني أن هؤلاء جميعا يعيشون في أوضاع غير نظامية. وتظل الهجرة من أجل العمل مكونا رئيسيا من مكونات التنقل الدولي، فيما يواصل معظم سكان العالم العيش داخل بلدان ميلادهم.

داخل هذه الصورة الواسعة، تختلف تجربة العامل المهاجر عن تجربة اللاجئ الذي فر من الاضطهاد والحرب، وعن تجربة النازح الذي غادر منزله وبقي داخل حدود بلده. غير أن الطرق قد تجمع أصحاب هذه التجارب في رحلة واحدة، يواجهون خلالها المهربين والابتزاز والعنف والجوع. ومن هنا تنشأ تعقيدات الهجرة المختلطة، حيث تتداخل الدوافع وتختلف احتياجات الحماية، ويصبح التعامل مع الجميع باعتبارهم كتلة واحدة مدخلا إلى قرارات لا تراعي ظروف الأفراد.

وتكشف أحدث الحصائل السنوية المتاحة أن عدد اللاجئين في العالم بلغ نحو 41.6 مليون شخص في نهاية عام 2025، إلى جانب نحو تسعة ملايين طالب لجوء ينتظرون البت في طلباتهم. ورغم الانخفاض المسجل في أعداد اللاجئين مقارنة بالسنة السابقة، تبقى الإقامة الطويلة في المنفى واقعا يطبع حياة نسبة كبيرة منهم. فالمغادرة التي تبدأ بحثا عن النجاة قد تتحول إلى سنوات من الانتظار، تتعطل خلالها الدراسة والعمل وتتآكل المدخرات وتضعف الروابط العائلية.

وتتحمل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل القسم الأكبر من استضافة اللاجئين، بما يضع خدماتها التعليمية والصحية وسوق السكن أمام ضغوط متراكمة. لذلك لا يمكن قياس التضامن الدولي بالتصريحات أو بالمساعدات الطارئة وحدها، وإنما أيضا بمدى تقاسم مسؤولية الاستقبال، وتوسيع إعادة التوطين، ودعم المجتمعات التي تستضيف أعدادا كبيرة قياسا إلى إمكاناتها. فحين تضعف الخدمات للجميع، يصبح التنافس على الموارد أرضا خصبة للاحتقان واستغلال المخاوف سياسيا.

وعلى الطرق البحرية نحو أوروبا، تقدم بيانات عام 2026 مثالا مؤلما على حدود الاكتفاء بمؤشر الوصول. فحتى منتصف شتنبر، وصل بحرا نحو ستين ألف مهاجر ولاجئ، بانخفاض يقارب 39 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. لكن عدد الوفيات والمفقودين ارتفع إلى ما لا يقل عن 2292 شخصا، مقابل 1999 خلال الفترة المقابلة. وعلى مسار وسط المتوسط نحو إيطاليا، تراجعت أعداد الوافدين بشدة، بينما ارتفعت حصيلة الموت والاختفاء.

وتشير هذه المفارقة إلى أن انخفاض الوصول لا يكفي لإثبات تحسن أوضاع المهاجرين. فقد تتغير نقاط الانطلاق، وتطول الرحلات، وتزداد احتمالات الإبحار في ظروف جوية خطرة. كما تبقى الحصائل المعلنة أقل من المأساة المحتملة، لأن بعض القوارب تختفي من دون شهود، وبعض العائلات لا تعرف أين انتهت رحلة أبنائها. وهكذا يمتد أثر الكارثة من الضحية إلى أسرة تظل سنوات تبحث عن خبر أو وثيقة أو قبر.

وفي شمال إفريقيا وغربها، تتشابك مراقبة السواحل مع التحركات عبر الصحراء والتوترات الأمنية وتوسع اتفاقات التعاون حول الهجرة. وتبين التطورات الأخيرة أن المسارات تتحول باستمرار تحت تأثير الرقابة والظروف المحلية. غير أن التركيز على الشواطئ وحدها يحجب ما يجري قبل الوصول إليها: تنقلات طويلة، واعتماد على الوسطاء، وهشاشة في السكن والعمل، وصعوبة في الحصول على المساعدة. وتفرض هذه الأوضاع النظر إلى بلدان العبور بوصفها أيضا فضاءات إقامة تحتاج إلى سياسات اندماج وخدمات وحماية.

أما السودان، فيجسد الوجه الأشد قسوة للهجرة المرتبطة بالحرب. فقد أعادت التقارير الميدانية الصادرة في أكتوبر تسليط الضوء على الدمار والجوع والانتهاكات، وعلى آثار تقلص المساعدة الإنسانية. وبالنسبة إلى الفارين، لا تنتهي المحنة بمجرد الابتعاد عن مناطق القتال، إذ تبدأ أسئلة المأوى والعلاج وإثبات الهوية ومواصلة تعليم الأطفال. وتصبح استمرارية التمويل الإنساني عاملا حاسما في منع تحول النجاة الأولى إلى أزمة بقاء جديدة.

وفي أوروبا، دخلت قواعد الهجرة واللجوء الجديدة مرحلة الاختبار العملي، وسط استمرار الخلاف حول كيفية التوفيق بين سرعة الإجراءات وضماناتها. وتبرز مخاوف تتعلق بالاستقبال، والتعرف المبكر على الأشخاص الأكثر هشاشة، والوصول إلى المعلومات والمشورة القانونية، وفعالية الرقابة المستقلة. ويكشف ذلك أن إصلاح أنظمة اللجوء لا يقاس بإقرار النصوص فحسب، وإنما بقدرة طالب الحماية على فهم الإجراء وعرض حالته والحصول على قرار منصف.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يطبع التشدد في إنفاذ قوانين الهجرة المشهد الأمريكي، مع توسع الترحيل والضغط من أجل المغادرة. وتظهر التحليلات الحديثة ارتفاع عمليات الإبعاد، مع ضرورة التمييز بين الترحيل الرسمي وأشكال العودة الأخرى قبل مقارنة الأرقام. كما يثير نقل أشخاص إلى بلدان ثالثة أسئلة بشأن مصيرهم اللاحق وإمكان وصولهم إلى الحماية، فيما يمتد أثر هذه السياسات إلى عائلات استقرت لسنوات وبنت حياتها حول المدرسة والعمل والجوار.

وفي أمريكا اللاتينية، تتداخل هذه التحولات مع حاجة بلدان المنطقة إلى معالجة أوضاع المقيمين لديها، وتطوير فرص الاندماج وتسوية الإقامة. فالشخص الذي تتعذر عليه مواصلة الرحلة قد يبقى في بلد العبور مدة طويلة، من دون أن تتوافر له موارد الاستقرار. وحين يغيب المسار القانوني الواضح، يصبح العمل غير المنظم حلا اضطراريا، بما يحمله من أجور ضعيفة وحماية محدودة وقابلية للاستغلال.

وفي آسيا، تظل أوضاع الأفغان والروهينغا من أبرز ملفات الحماية. فقد استمرت الضغوط المرتبطة بعودة الأفغان وترحيلهم، بينما شهدت تجمعات الروهينغا مطالب متجددة بالأمان والعدالة والمساعدة. وتكشف هذه الحالات أن العودة إلى بلد الأصل تحتاج إلى أكثر من ترتيبات النقل؛ فهي تتطلب تقييما فعليا للسلامة وإمكان العيش. وبالمثل، تثير عودة السوريين أسئلة بشأن السكن والخدمات وسبل الرزق، حتى لا تتحول العودة إلى نزوح جديد بعد فترة قصيرة.

وخارج المخيمات والحدود، يخوض العمال المهاجرون معركة يومية أقل حضورا في العناوين. فتصريح الإقامة قد يرتبط بصاحب عمل واحد، والشكوى من الأجر أو العنف قد تثير الخوف من فقدان الوظيفة أو الترحيل. لذلك تكتسب مكافحة رسوم التوظيف المجحفة، وضمان الأجور، وإتاحة الشكوى الآمنة، أهمية مباشرة في تحسين حياتهم. وتزداد الحاجة إلى هذه الحماية حين تتداخل هشاشة الإقامة مع التمييز أو مسؤولية إعالة الأسرة.

وتضع هذه الوقائع العالم أمام سؤال يتجاوز عدد العابرين: أي حياة تنتظر الإنسان بعد الوصول، وأي بدائل تتاح له قبل المخاطرة؟ إن توسيع مسارات العمل والدراسة ولمّ الشمل، ودعم الاستقبال والاندماج، وتحسين الإنقاذ والبحث عن المفقودين، إجراءات تمنح إدارة الهجرة معنى عمليا. أما استمرار الحروب وتقلص الحماية واتساع الاستغلال، فيعني أن الحدود ستظل تستقبل نتائج أزمات لم تُعالج في منابعها، وأن الملايين سيواصلون البحث عن مكان يستطيعون فيه بناء حياة مستقرة وآمنة.



0 التعليقات: