تصل كتب العرب المقيمين في المهجر إلى القارئ محمّلة بأكثر من حكاية عن الرحيل. ففي صفحاتها تتجاور ذاكرة البيوت الأولى مع أسئلة الحياة الجديدة، وتلتقي التجربة الشخصية بتحولات المجتمعات التي غادرها أصحابها، من دون أن تنقطع صلتهم بها. وتكشف مجموعة من الإصدارات التي أُعلن عنها خلال أكتوبر 2026، وظلت ضمن مستجدات المشهد الثقافي مع مطلع نوفمبر، عن تنوع هذه الكتابة بين الرواية والسيرة والوقائع اليومية. وهي إصدارات لا يجمعها اتجاه أدبي واحد، بقدر ما تصل بينها محاولة فهم ما يبقى في الإنسان حين تتغير أمكنته ولغاته وعلاقته بالماضي.
أقرأ هذه الأعمال، من خلال معطيات صدورها وتقديماتها المتاحة، باعتبارها مداخل إلى مشهد تتعدد فيه معاني المهجر. فهناك من يكتب بالعربية ويصدر كتابه في بيروت أو لندن، وهناك من يكتب بالفرنسية ويعيد عبرها تقديم مدينة عربية إلى جمهور مختلف. وبين التجربتين تتحرك أسئلة تتجاوز الحنين، لتلامس الحق في الذاكرة، وتعقيدات الانتماء، وقدرة الأدب على منح الأفراد حضورًا يتجاوز صورهم المختصرة في أخبار الحروب والهجرة.
في هذا السياق، يبرز كتاب «سيرة طفل كاد أن يسقط من المجرّة فحبا» للفنان والكاتب السوري بشار العيسى، المقيم في فرنسا، والصادر حديثًا عن منشورات رامينا في لندن، وقد أُعلن عنه في السادس والعشرين من أكتوبر. يستعيد الكتاب رحلة تبدأ من الجزيرة السورية، حيث تتشكل ذاكرة الطفل بين البراري والحكايات الشعبية والعائلة، ثم تتسع لتشمل السياسة والفن والتنقل والمنافي. وتحضر فيه الأمكنة الأولى بأصواتها وأسمائها وتنوعها الثقافي، بما يجعل السيرة اقترابًا من بيئة اجتماعية كاملة، إلى جانب استعادتها المسار الفردي لصاحبها.
ما يلفتني في تقديم هذا الإصدار هو اجتماع عين الفنان وذاكرة الطفل في بناء الاستعادة. فالوجه واللون والمشهد تتيح للكاتب استرجاع ما تعرض للتباعد أو الفقد عبر السنوات. كما أن حضور المراسلات والتجربة السياسية يمنح الكتاب بعدًا توثيقيًا، ويفتح سؤالًا عن العلاقة بين استقلال الفرد والتزامه الحزبي. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى السيرة بوصفها محاولة لمراجعة الحياة بما اشتملت عليه من دهشة وقسوة وخلافات، لا بوصفها احتفالًا مطلقًا بالماضي.
وعلى الضفة الفرنسية أيضًا، صدر في الحادي والعشرين من أكتوبر عن دار ستوك كتاب «بيروت لا تموت أبدًا» للكاتب الفرنسي اللبناني سبيل غصوب. والعنوان العربي هنا ترجمة تعريفية لعنوان الكتاب الفرنسي، وليس إعلانًا عن صدور ترجمة عربية له. يجمع الإصدار أربعين نصًا كتبها صاحبه بين مارس ويوليو 2026، وترافقها رسوم شارل بربريان، ويقترب فيها من الحياة اليومية لأناس يتمسكون بمواصلة عيشهم وسط الحرب.
تمنح طبيعة هذا الكتاب مساحة للتفاصيل التي تتراجع عادة خلف العناوين السياسية الكبرى: المهن الصغيرة، والأحاديث العابرة، والعلاقات العائلية، ومحاولات الاحتفاظ بشيء من الفرح. وبهذا المعنى، تبدو الكتابة استعادة لحق السكان في أن تكون لهم حيوات متعددة، ومشاعر متناقضة، وأحلام لا تختصرها صورة الضحية. فالمدينة لا تُرى عبر مبانيها وحدها، وإنما عبر ما يواصل أهلها فعله حين تصبح أبسط العادات اليومية معرضة للانقطاع.
وتستوقفني في تجربة غصوب تلك الحركة بين الانتماء اللبناني والكتابة بالفرنسية. إنها تطرح إمكان وصول التجربة العربية إلى قارئ آخر من داخل تفاصيلها الإنسانية. فحين يدخل القارئ إلى حياة شخص بعينه، ويقترب من مخاوفه وعاداته، قد يتعرف إلى المدينة بصورة أكثر تركيبًا من الصورة التي تمنحها له نشرات الأخبار. هنا يصبح الأدب مجالًا لتوسيع المعرفة بالآخر، من خلال الإصغاء إلى حياته اليومية.
أما رواية «خارج السرب» للكاتب والصحافي الفلسطيني الأميركي نظام المهداوي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، فقد أُعلن عنها في الرابع عشر من أكتوبر. وتقدم، بحسب تعريفها، مسارًا تتقاطع فيه طفولة فلسطينية في الخليج مع تحولات المنطقة والهجرة إلى الولايات المتحدة والعمل الصحافي. وتقع الرواية في 456 صفحة، وتتحرك بين فضاءات متعددة، من الكويت وبيروت إلى واشنطن وكاليفورنيا، فيما تتداخل فيها أسئلة الأبوة والفقد والانتماء والبحث عن البيت.
تحمل هذه المعطيات سؤالًا مركزيًا في تجربة الفلسطيني خارج وطنه: كيف يبني الإنسان شعوره بالاستقرار حين يظل تاريخه العائلي مشدودًا إلى الاقتلاع؟ وتضيف الصحافة إلى هذا السؤال توترًا آخر، لأن من ينقل أخبار الآخرين يجد نفسه مدفوعًا إلى مساءلة ذاكرته واختياراته وعلاقاته. وتتيح الرواية، بما تمنحه من مساحة للتردد والصوت الداخلي، الاقتراب من الجوانب التي يضيق عنها الخبر الصحافي.
وتكشف مجاورة هذا العمل لكتاب غصوب عن اختلاف طرائق التعامل مع التجربة الصحافية داخل الكتابة الأدبية. ففي أحدهما تتجمع الوقائع اليومية حول مدينة وأهلها، وفي الآخر تدخل المهنة ضمن مسار شخصية تعبر أمكنة وتحولات واسعة. ومن المفيد للقارئ أن ينتبه إلى هذا الاختلاف، لأن حضور الصحافة في الكتاب لا يعني تطابق أشكال السرد أو غاياته.
ويحضر المغرب في هذه الجولة من خلال رواية «وجوه زنوبيا المحدبة» لفؤاد اليزيد السني، الكاتب المغربي المقيم في بلجيكا، والصادرة عن دار «Scribe Books»، والتي نُشر خبر صدورها في السادس من أكتوبر. وتقدم المعطيات التعريفية العمل باعتباره كتابة تجمع السرد والتأمل، وتنفتح على تعدد الأصوات والأمكنة، وعلى العلاقة بين الإنسان وذاكرته ومحيطه.
ويتيح هذا الإصدار الالتفات إلى تنوع الحضور المغربي الأدبي خارج البلاد. فالكاتب المقيم في أوروبا يتحرك ضمن تجارب لغوية واجتماعية متعددة، وقد تنعكس هذه الخبرة على طريقته في بناء الشخصيات والنظر إلى المكان. لكن الإقامة في المهجر لا تكفي وحدها لتفسير العمل أو الحكم على قيمته؛ إذ يظل النص، بأسلوبه وتركيبه وقدرته على الإقناع، أساس القراءة الأدبية.
ومن هذه الزاوية، يثير عنوان «وجوه زنوبيا المحدبة» فضولًا تأويليًا، لما يجمعه من إحالة تاريخية وصورة بصرية غير مألوفة. غير أن الانتقال من دلالة العنوان إلى تقييم الرواية يحتاج إلى قراءة نصها كاملًا. وما يمكن استخلاصه من تقديمها هو انشغالها بتعدد زوايا الرؤية، وهو انشغال ينسجم مع تجربة كاتب يجمع بين الرواية والنقد والترجمة.
تضعنا هذه الإصدارات أمام طرق مختلفة لحمل الماضي إلى الحاضر. فالسيرة تستعيد التكوين الأول وتراجع مسار الحياة، والوقائع اليومية تحفظ أثر اللحظة، والرواية تعيد تركيب التجربة داخل شخصيات وعلاقات وأزمنة. ويمنح هذا التنوع أدب العرب في المهجر حيوية يصعب اختزالها في موضوع الغربة وحده، حتى حين يظل الرحيل حاضرًا في خلفية الكتابة.
كما تكشف هذه الكتب عن اتساع جغرافيا تداول الأدب العربي والمتصل بالتجربة العربية. فمكان إقامة الكاتب، ولغة تأليفه، ومدينة نشره، وجمهوره المحتمل، قد تتوزع بين بلدان عدة. وهذه الحركة تتيح فرصًا للقاء قراء جدد، لكنها تجعل وصول الكتاب إلى قرائه العرب مسألة تحتاج إلى توزيع وترجمة ومتابعة نقدية منتظمة.
وأرى أن الاهتمام بهذه الإصدارات يكتمل حين تتجاوز المتابعة إعلان صدورها إلى قراءة نصوصها ومناقشة اختياراتها الفنية. فالكاتب العربي في المهجر يحمل خبرة تستحق الإصغاء، ويظل من حق كتابه أن يُقرأ بجدية نقدية تلتفت إلى اللغة والشكل وبناء المعنى. عندئذ تصبح المسافة التي قطعها صاحبه جزءًا من تجربة أدبية قابلة للحوار، وتتحول الذاكرة الفردية إلى معرفة إنسانية يستطيع القارئ، أينما كان، أن يجد فيها شيئًا من أسئلته.







0 التعليقات:
إرسال تعليق