تفتح إحصاءات تصفح موقع الكاتب المغربي عبده حقي نافذة على التحولات التي مست علاقة الكاتب بجمهوره في البيئة الرقمية، حيث أصبح النص قادرًا على عبور الحدود والوصول إلى أماكن بعيدة عن موطن إنتاجه، دون المرور بالضرورة عبر مؤسسات التوزيع والنشر التقليدية. غير أن هذه الإمكانية تضعنا أمام أسئلة تتجاوز الاحتفاء بعدد الزيارات إلى محاولة فهم طبيعتها ومصادرها ودلالتها الثقافية. فما الذي تعنيه صدارة الولايات المتحدة في حركة تصفح موقع كاتب مغربي؟ وكيف نفسر حضور سنغافورة وهونغ كونغ والبرازيل والمكسيك؟ وإلى أي حد يعكس الانتشار الجغرافي جمهورًا فعليًا يقرأ ويتابع ويتفاعل؟
تُظهر الصورة المعتمدة في هذه القراءة نحو 11.3 ألفًا للولايات المتحدة، و1.51 ألفًا لسنغافورة، و452 لهونغ كونغ، و318 للبرازيل، و317 للمغرب، و288 للمكسيك، و221 لألمانيا، و180 للمملكة المتحدة، و134 لفرنسا، إضافة إلى نحو 1.99 ألفًا ضمن خانة «غير ذلك». وبجمع هذه القيم، نصل إلى إجمالي تقريبي يبلغ 16.7 ألفًا. لكن الصورة لا تحدد المدة الزمنية التي تغطيها، ولا تبين هل يتعلق الأمر بمشاهدات صفحات أو زيارات أو مستخدمين منفردين. وهذا التفصيل أساسي، لأن شخصًا واحدًا قد يشاهد صفحات متعددة، ولأن حجمًا مسجلًا خلال أسبوع يختلف في دلالته عن الحجم نفسه خلال سنوات.
تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 68 في المائة من مجموع القيم الظاهرة، وهي نسبة تجعل التوزيع شديد التركيز، رغم تعدد البلدان الواردة في القائمة. فنحن أمام حركة واسعة جغرافيًا، لكنها غير متوازنة عدديًا؛ إذ يتجاوز الرقم الأمريكي مجموع بقية الخانات بأكثر من الضعف. وتطرح هذه الهيمنة سؤالًا تحليليًا مهمًا: هل تعبر عن اهتمام بشري متكرر بمحتوى الموقع، أم ترتبط جزئيًا بطريقة تسجيل مصادر الاتصال؟ لا توفر الصورة جوابًا حاسمًا، لكنها تجعل التحقق من طبيعة هذه الحركة أولوية لفهم موقع الكاتب داخل شبكة القراءة الرقمية.
قد يكون جزء من الزيارات الأمريكية مرتبطًا بقراء عرب ومغاربة يقيمون في الولايات المتحدة، أو بباحثين وطلبة يعثرون على مواد الموقع عبر محركات البحث، أو بروابط متداولة على منصات التواصل. وتظل هذه احتمالات معقولة، دون أن تتحول إلى حقائق مثبتة. فبلد الاتصال لا يكشف تلقائيًا جنسية القارئ أو لغته أو اهتماماته، كما أن خدمات الوساطة والشبكات الخاصة الافتراضية والحركة الآلية قد تؤثر في التوزيع الجغرافي. لذلك لا يمكن الانتقال من عبارة «زيارات من الولايات المتحدة» إلى إعلان وجود قاعدة أمريكية واسعة من قراء الأدب المغربي دون مؤشرات إضافية.
وتتضاعف أهمية هذا التمييز عند النظر إلى سنغافورة، التي تحتل المرتبة الثانية بحوالي تسعة في المائة من الإجمالي الظاهر، ثم هونغ كونغ. فحضورهما البارز يستحق الفحص، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن كتابات عبده حقي وجدت جمهورًا أدبيًا مستقرًا في شرق آسيا. المطلوب هنا معرفة ما إذا كانت الزيارات تتوزع على مقالات متعددة، وما إذا كانت تستمر مدة تسمح بالقراءة، وهل تعود المصادر نفسها بانتظام. فإذا ارتبطت الحركة بصفحات محددة وبسلوك تصفح متنوع، أصبحت دلالتها مختلفة عن تدفق سريع ومتكرر على روابط قليلة.
أما المغرب، الذي يسجل 317، فيطرح مسألة العلاقة بين الانتماء المحلي للمحتوى والامتداد الخارجي لحركة تصفحه. لا يكفي هذا الرقم للحكم على حجم متابعة الكاتب داخل بلده، لأن الموقع الشخصي قد يمثل جزءًا من حضوره المنشور. فقد يقرأ المتابع نصوصه في صحيفة إلكترونية أو على منصة اجتماعية دون زيارة الموقع الأصلي. كما قد تصل المقالات إلى القراء عبر إعادة النشر أو تداول مقتطفات منها. ومن ثم، فإن محدودية الحصة المغربية في هذه اللوحة تصف توزيعًا تقنيًا محددًا، ولا تختزل مكانة الكاتب أو حجم تداول إنتاجه في المجال الثقافي الوطني.
وتكشف المقارنة بين المغرب والبرازيل، بفارق وحدة واحدة، حدود القراءة السطحية للأرقام. فالتقارب العددي لا يعني تماثل الجمهورين أو تساوي عمق العلاقة بالمحتوى. قد ينتج العدد نفسه عن قراء يعودون مرات عديدة، أو عن زوار مختلفين يدخل كل منهم مرة واحدة، أو عن خليط من الحركة البشرية والآلية. ولهذا ينبغي أن يترافق العدد مع معلومات عن سلوك التصفح. القيمة الثقافية لثلاثمائة زيارة تتضمن قراءة فعلية ومتابعة متواصلة قد تفوق قيمة آلاف المشاهدات العابرة، خصوصًا حين يكون الهدف بناء صلة مستمرة بين الكاتب وجمهوره.
وتستحق خانة «غير ذلك» اهتمامًا خاصًا، لأنها تضم نحو ألفين من الحركة المسجلة، أي قرابة 12 في المائة من الإجمالي. وهي تشير إلى امتداد إضافي خارج البلدان التسعة المعروضة، دون أن تتيح تحديد خريطته. وقد يخفي هذا التجميع بلدانًا عربية أو إفريقية أو أوروبية ذات صلة أوثق باللغة التي ينشر بها الموقع، لكن لا يمكن الجزم بذلك. وتوضح هذه الخانة أن طريقة عرض البيانات تؤثر في تفسيرها؛ إذ تمنح البلدان الكبرى وضوحًا، بينما تجمع بقية المسارات في مساحة إحصائية واحدة تحتاج إلى تفصيل.
وراء هذه الملاحظات تبرز مسألة أعمق تتعلق بما نعنيه بنجاح الموقع الثقافي. إذا كان الهدف إتاحة أرشيف الكاتب، فإن الوصول إلى نصوص قديمة من خلال البحث يمثل قيمة معتبرة، حتى إن لم يصاحبه تفاعل ظاهر. وإذا كان الهدف بناء جمهور منتظم، تصبح عودة الزوار واستمرار القراءة أكثر أهمية. أما إذا كان الموقع فضاءً للحوار الثقافي، فتكتسب التعليقات والمراسلات والإحالات إلى المقالات وزنًا إضافيًا. وهكذا تتغير دلالة الرقم بحسب الوظيفة التي يؤديها الموقع ضمن المشروع الأدبي والفكري لصاحبه.
ويمكن النظر إلى موقع عبده حقي، من هذه الزاوية، باعتباره فرصة لبناء ذاكرة منظمة للإنتاج الكتابي. فالنص المنشور رقميًا يستطيع أن يستعيد حضوره عندما يعود موضوعه إلى دائرة الاهتمام، أو عندما يبحث قارئ عن قضية تناولها الكاتب سابقًا. ويمنح تراكم المواد الموقع قدرة على استقبال زوار يدخلون من أبواب مختلفة، دون معرفة مسبقة بصاحبه. لكن الاستفادة من هذا التراكم ترتبط بتنظيم الأرشيف، ووضوح العناوين، وإبراز تاريخ النشر، وربط المقالات ذات الصلة، حتى يجد الزائر طريقًا من المادة الأولى إلى بقية التجربة.
وتكشف الأرقام أيضًا أهمية التمييز بين وصول النص وبناء اسم الكاتب. فقد يحضر الزائر بسبب سؤال محدد، ويقرأ مقالًا يلبي حاجته، ثم يغادر دون أن يتذكر صاحبه. وهنا يصبح تقديم الهوية الأدبية للموقع جزءًا من تحويل المرور العابر إلى معرفة مستمرة: تعريف واضح بالكاتب، وإتاحة أعماله، وتسهيل الانتقال بين مجالات كتابته. فالقارئ الذي يصل إلى موضوع عن التكنولوجيا قد يكتشف اهتمامًا بالأدب الرقمي، ثم ينتقل إلى نص سردي أو قراءة ثقافية، إذا كانت بنية الموقع تساعده على ذلك.
ولكي تصبح هذه اللوحة أساسًا لتقييم أدق، يلزم ربطها بفترة زمنية محددة، ثم مقارنتها بفترة مماثلة. عندها يمكن معرفة ما إذا كانت الحركة تتصاعد أو تتراجع أو ترتبط بمقال استثنائي. وتفيد أيضًا معرفة مصادر الوصول، ونسبة الزوار العائدين، والمواد الأكثر قراءة، مع فحص الحركة غير المعتادة. وهذه المؤشرات لا تلغي قيمة الأرقام الحالية، بل تمنحها سياقًا يسمح بفهم أسبابها، وتحويلها إلى اختيارات تحريرية وتقنية تخدم مشروع الكاتب وتحسن تجربة القراءة.
تقدم الصورة إذن علامة على قابلية موقع عبده حقي للوصول إلى نطاق جغرافي متعدد، مع تركيز أمريكي واضح يستحق تحليلًا إضافيًا. وهي تضع أمام الكاتب فرصة لفهم المسافة بين ظهور النص على الشاشة واستقراره في ذاكرة قارئ. وفي هذه المسافة يتحدد الرهان الثقافي للموقع: أن يمنح الزائر سببًا للبقاء، وأن يجعل الأرشيف قابلًا للاكتشاف، وأن يحول تكرار الوصول إلى متابعة واعية. فالأرقام ترصد الحركة، أما أثر الكتابة فيحتاج إلى قراءة أبطأ، تنصت لما يفعله القارئ بالنص بعد أن تنتهي الزيارة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق