الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، نوفمبر 04، 2026

ما وراء الانتظار العربي لنتائج الانتخابات الأمريكية بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


كلما اقترب موعد الانتخابات الأمريكية، أجدني أمام مشهد عربي مألوف: متابعة دقيقة لاستطلاعات الرأي، وانشغال بالمناظرات، ورهان متجدد على اسم قد يدخل البيت الأبيض فيغير اتجاه السياسة الأمريكية في منطقتنا. وألاحظ أن بعضنا، حين يضيق بسياسة رئيس جمهوري، يعلق آماله على منافسه الديمقراطي، ثم يعود إلى انتظار الجمهوري عندما يصطدم بخيبة الأمل في الديمقراطي. كأننا نبحث، في كل دورة انتخابية، عن رئيس ينصف قضايانا، قبل أن نسأل أنفسنا عن الأسباب التي تجعل هذه الآمال تتكرر وتتعثر.

لا أعتقد أن الرأي العام العربي كتلة واحدة، ولا أن الشعوب والحكومات تنظر إلى واشنطن بالعين نفسها. فما تعتبره حكومة عربية شراكة أمنية ضرورية قد تراه قطاعات شعبية تبعية سياسية، وما يعده بلد مكسبًا دبلوماسيًا قد لا تكون له الأولوية ذاتها لدى بلد آخر. لذلك أجد أن السؤال عن الحزب الأمريكي الأكثر تعاطفًا مع القضايا العربية يحتاج أولًا إلى تحديد المقصود بالتعاطف: هل نتحدث عن حقوق الفلسطينيين، أم أمن الدول العربية، أم احترام السيادة، أم معاملة المهاجرين العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة؟

ومع ذلك، أستطيع تقديم جواب مبدئي واضح: تبدو القواعد الديمقراطية، وخصوصًا تياراتها التقدمية، أكثر استعدادًا للتعاطف مع الحقوق الفلسطينية، لكن ذلك لا يجعل الإدارات الديمقراطية ضامنًا لهذه الحقوق، ولا يجعل الجمهوريين عاجزين عن اتخاذ قرارات تخدم مصالح عربية محددة. هنا بالضبط يبدأ الفرق بين التعاطف الشعبي والسياسة الرسمية، وبين الانتماء الحزبي وحسابات الحكم.

تؤيد استطلاعات الرأي وجود اختلاف فعلي بين جمهوري الحزبين في النظر إلى القضية الفلسطينية. فقد أظهرت دراسات مركز بيو تفاوتًا واضحًا في المواقف، مع اهتمام أكبر لدى الديمقراطيين بمقتل المدنيين الفلسطينيين والجوع في غزة وخطر تهجير سكانها. وأظهرت نتائج استطلاع أسوشيتد برس ومركز «نورك» المنشورة في يونيو 2026 اتساع التأييد للفلسطينيين داخل القاعدة الديمقراطية. أقرأ في هذه التحولات فرصة سياسية تستحق الاهتمام، لكنني لا أخلط بينها وبين تحول مكتمل في قرارات الدولة الأمريكية. 

فالناخب الذي يرفض الحرب لا يملك بمفرده قرار وقف السلاح، والنائب الذي ينتقد الحكومة الإسرائيلية لا يمثل بالضرورة موقف قيادة حزبه. والحزب الديمقراطي نفسه يضم اتجاهات متباينة، تجمع بينها أحيانًا الضرورة الانتخابية أكثر مما يجمع بينها تصور موحد للشرق الأوسط. لذلك أرى أن من الخطأ اعتبار صوت تقدمي شجاع دليلًا على أن المؤسسة الحزبية كلها تبنت مضمونه.

وحين أنتقل من المزاج الشعبي إلى سجل الرؤساء، تصبح الصورة أشد تعقيدًا. أتذكر أن باراك أوباما، الذي ارتبط اسمه لدى كثيرين بالأمل في تغيير العلاقة مع العالم العربي والإسلامي، أبرمت إدارته سنة 2016 مذكرة تفاهم تتضمن التزامًا بمساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على عشر سنوات. بالنسبة إليّ، تكشف هذه الواقعة أن الخلاف مع حكومة إسرائيلية، أو التمسك المعلن بحل الدولتين، يمكن أن يتزامنا مع تعزيز الدعم العسكري لإسرائيل. 

لكنني أتحفظ أيضًا على العبارة القاطعة التي تقول إنه لا فرق إطلاقًا بين الحزبين. أفهم الغضب الذي تنتجه، غير أنها تختزل السياسة إلى حد يحجب قدرتنا على التمييز. فالفروق في المساعدات الإنسانية، والاستيطان، والعمل الدبلوماسي، واستخدام القوة، قد تترك آثارًا مباشرة على حياة الناس. استمرار مصالح أمريكية أساسية لا يعني أن جميع الوسائل والقرارات متطابقة، كما أن اختلاف اللهجة لا يثبت وحده اختلاف النتائج.

والتاريخ يقدم أمثلة تمنعني من توزيع الأدوار الأخلاقية مسبقًا. فقد عارض الرئيس الجمهوري دوايت آيزنهاور العدوان على مصر سنة 1956، وضغط على بريطانيا وفرنسا لقبول وقف إطلاق النار. لم يكن موقفه منفصلًا عن المصالح الأمريكية ومخاوف الحرب الباردة، لكنه يظل واقعة لا تنسجم مع الاعتقاد بأن كل رئيس جمهوري يتخذ بالضرورة الموقف الأسوأ تجاه كل قضية عربية. 

كذلك جاء مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991 في عهد الجمهوري جورج بوش الأب، بينما احتضن البيت الأبيض في عهد الديمقراطي بيل كلينتون توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993، بعدما جرت المفاوضات الأساسية عبر القناة السرية النرويجية. أستخلص من التجربتين أن النشاط الدبلوماسي لم يكن حكرًا على حزب واحد، وأن إقامة المراسم وفتح المفاوضات لا يكفيان وحدهما لضمان تسوية عادلة ودائمة. 

ومن موقعي المغربي، أجد مثالًا آخر على ضرورة تقييم الملفات كلًّا على حدة. فالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه صدر في ديسمبر 2020 عن إدارة دونالد ترامب الجمهورية. وأعتبره مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا للمغرب، لكنه لا يلزمني بتأييد جميع خيارات الإدارة نفسها في بقية القضايا العربية. أستطيع تثمين قرار يخدم الوحدة الترابية لبلدي، ومساءلة قرارات أخرى وفق أثرها على حقوق الفلسطينيين وأمن المنطقة.

لهذا أرى أن عبارة «القضايا العربية» تخفي أحيانًا اختلافًا في الأولويات. فالعلاقة مع إيران، مثلًا، تُقرأ من زاوية الأمن لدى بعض الدول، ومن زاوية تجنب الحرب لدى أخرى. كما أن التقارب بين واشنطن وحكومة عربية لا يعني بالضرورة تعاطفًا مع مطالب شعبها. وقد يحقق اتفاق تجاري أو عسكري منفعة للدولة، بينما تبقى أسئلة الحرية والعدالة وحقوق المواطنين خارج دائرة الاهتمام الفعلي.

ما أبحث عنه، إذن، ليس شهادة حسن سلوك لحزب أمريكي، بل معيار عربي أكثر دقة للحكم على سياساته. أسأل: ماذا فعل لحماية المدنيين؟ كيف تعامل مع السيادة؟ هل ساعد على تسوية النزاعات أم أدارها بما يضمن استمرار نفوذه؟ وهل ترجم حديثه عن الحقوق إلى قرارات يمكن قياسها؟ بهذه الأسئلة يصبح التقييم أقل خضوعًا لجاذبية الأشخاص وأكثر اتصالًا بالنتائج.

وأخلص إلى أن الديمقراطيين يتيحون، داخل قواعدهم وبعض تياراتهم، مجالًا أوسع للتفاعل مع الحقوق الفلسطينية، بينما قد يلتقي الجمهوريون مع مصالح عربية محددة في ملفات أخرى. أما التعاطف الذي يتحول إلى سياسة مستمرة، فلا أرى أن أيًّا من الحزبين يمنحه للعرب على بياض. لذلك أتابع الانتخابات الأمريكية باهتمام، لكنني أرفض أن أضع مستقبلنا في صندوق اقتراع لا نصوت فيه. ما نحتاج إليه هو أن نعرف كيف نخاطب المجتمع الأمريكي ومؤسساته، وأن نبني من المصالح والمعرفة والقدرة التفاوضية ما يجعل حقوقنا حاضرة، مهما كان اسم الفائز.


0 التعليقات: