الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، نوفمبر 04، 2026

فوز كريس باباس أول سيناتور مثلي في تاريخ أمريكا بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


حين قرأت خبر فوز كريس باباس بمقعد ولاية نيوهامبشير في مجلس الشيوخ الأمريكي، استوقفني ذلك العنوان الذي اختصر الحدث في عبارة «أول سيناتور مثلي في تاريخ أمريكا». أدركت كيف تستطيع كلمات قليلة أن توجه انتباه القارئ نحو جانب واحد من واقعة سياسية، وأن تجعل الحياة الخاصة للمنتخب تتقدم على الأسئلة المرتبطة ببرنامجه ومسؤوليته وموقعه داخل المؤسسات. ومن هنا أجدني أمام سؤال يتجاوز حدود الولايات المتحدة: بأي معيار ينبغي أن نحكم على السياسي، وما الذي يجعل مواطنًا أهلًا لتمثيل مواطنين آخرين؟

أبدأ من تصحيح ضروري، لأن الرأي السياسي يفقد جزءًا من قيمته حين يبنى على معلومة غير دقيقة. فوز باباس في انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 يجعله أول رجل يعلن مثليته يُنتخب إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بينما سبقته تامي بالدوين إلى هذه المؤسسة سنة 2012، بوصفها أول شخص يعلن مثليته يُنتخب إليها. والفارق بين الصيغتين مهم، لأنه يحفظ للتاريخ تسلسله، ويمنع الإثارة الإعلامية من محو تجارب سابقة لمجرد صناعة عنوان أكثر انتشارًا.

أرى في هذا الفوز واقعة ذات دلالة في مسار التمثيل السياسي الأمريكي. فحين يتمكن مرشح يعلن انتماءه إلى فئة واجهت الإقصاء من الوصول إلى مؤسسة تشريعية بهذا الوزن، يصبح من المشروع الحديث عن اتساع إمكانات المشاركة. لكنني أتحفظ على تحويل النتيجة الانتخابية إلى تفسير جاهز لنوايا الناخبين جميعًا. لا أستطيع أن أجزم بأن كل من صوت لباباس أراد توجيه رسالة اجتماعية أو ثقافية؛ فقد يختاره ناخب بسبب موقفه من الصحة، وآخر بسبب انتمائه الحزبي، وثالث بسبب تجربته السابقة أو رفضه لمنافسه. صندوق الاقتراع يجمع دوافع متعددة، ولا يقدم لنا وحده شرحًا كاملًا لها.

ما أستخلصه، في حدود ما يسمح به الحدث، هو أن حياته الخاصة لم تمنع حصوله على ثقة عدد كافٍ من الناخبين للفوز بالمقعد. وهذه حقيقة سياسية تستحق التأمل، لأنها تفتح النقاش حول قدرة المجال العام على استيعاب الاختلاف، وحول المسافة التي يمكن أن تفصل بين تصورات الفرد الأخلاقية أو الدينية وبين اختياره لمن يمثله في مؤسسة تشريعية.

وقد لفتني أيضًا شكره لزوجه فان بنتلي في خطاب الفوز. أفهم هذه اللحظة باعتبارها تعبيرًا شخصيًا داخل مناسبة عامة، شبيهًا بما يفعله سياسيون حين يشكرون زوجاتهم وأبناءهم وأقرب المقربين إليهم. غير أن تداولها المكثف يكشف عن اختلاف زاوية النظر إلى المشهد؛ فما قد يراه بعض المتابعين تفصيلًا عائليًا، يتحول لدى آخرين إلى عنوان الخبر كله. وهنا تظهر سلطة الإعلام في ترتيب الوقائع، وتحديد ما يستحق أن يكون في الواجهة وما يترك في الخلفية.

ومن موقعي ككاتب مغربي، أعتقد أن قراءة هذا الحدث تحتاج إلى معرفة السياق الذي جرى فيه. فالمجتمعات تختلف في مرجعياتها وتشريعاتها وتاريخ صراعاتها حول الحقوق، وفهم التجربة الأمريكية يقتضي إدراك هذا الاختلاف. أستطيع أن أشرح دلالة واقعة سياسية داخل مجتمع معين، وأن أناقش آثارها، من دون أن أفترض أن المجتمعات الأخرى ستسلك المسار نفسه أو أنها تعيش الأسئلة ذاتها بالصيغ نفسها. المعرفة تبدأ حين نتوقف عن التعامل مع العالم باعتباره نسخة واحدة من تجربتنا المحلية.

ومع ذلك، فإن السؤال عن أهلية المسؤول يتجاوز الحدود الثقافية. بالنسبة إلي، تتحدد هذه الأهلية بالنزاهة والكفاءة واحترام القانون والقدرة على خدمة المواطنين. أريد أن أعرف كيف يصوت المنتخب على القوانين، وكيف يتعامل مع المال العام، وما إذا كان يفي بوعوده ويخضع للمساءلة. وحين يتعلق الأمر بحياته الخاصة، فإن ما يهم المجال السياسي هو وجود صلة واضحة بينها وبين أداء المسؤولية العامة، مثل تضارب المصالح أو استغلال النفوذ، على أن تناقش هذه الصلة بالأدلة وبالقواعد نفسها التي تسري على الجميع.

لهذا السبب، أرى أن القيمة الرمزية لفوز باباس ينبغي أن ترافقها رقابة سياسية عادية وصارمة. فاختراق حاجز تاريخي يمنح الحدث أهميته، لكنه لا يقدم ضمانة مسبقة بشأن جودة الأداء المقبل. سيواجه الرجل، مثل سائر المنتخبين، امتحان التشريع والتمثيل والوفاء بالتعهدات. ومن حق ناخبيه أن يختلفوا معه، وأن ينتقدوه، وأن يسحبوا ثقتهم منه لاحقًا إذا خيب توقعاتهم. المساواة في الوصول إلى المؤسسات تكتمل بالمساواة في المحاسبة داخلها.

وأعتقد أن الإعلام العربي يستطيع أن يقدم معالجة أكثر فائدة لمثل هذه الأخبار، عبر الجمع بين الدقة والسياق. يمكنه أن يذكر السابقة التاريخية، ثم يشرح موقع مجلس الشيوخ ودور المرشح وتجربته والقضايا التي خاض بها الانتخابات. أما الاكتفاء بالتفصيل الشخصي، فإنه يترك القارئ أمام انفعال سريع، ويحرمه من فهم ما تغير سياسيًا وما قد يترتب على النتيجة عمليًا. وحين يتكرر هذا الأسلوب، تصبح السياسة سلسلة من الصور المثيرة بدل أن تكون مجالًا لفهم المصالح والقرارات وموازين القوة.

في قراءتي، يمنحنا فوز كريس باباس فرصة لمراجعة الطريقة التي ننظر بها إلى المسؤول العام. أقدّر الدلالة التاريخية للحدث، وأنتظر أن يقاس صاحبه بما سيقدمه في موقعه الجديد. فالسؤال الذي أريد أن يظل حاضرًا، بعد انتهاء الاحتفال وتراجع وهج الصورة، هو مدى قدرته على خدمة الناس الذين منحوه أصواتهم، والدفاع عن مصالحهم، وقبول محاسبتهم. هناك، في العمل اليومي للمؤسسات، تتحدد القيمة السياسية لأي انتصار انتخابي.


0 التعليقات: