أرى أن الرسالة الأساسية في البلاغ المتعلق بجلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس واضحة: المغرب يريد التعامل مع مرحلة ما بعد انتهاء مهام المينورسو بهدوء ويقظة، مع حماية أراضيه ومواطنيه ومواصلة تنمية أقاليمه الجنوبية. فهذه المرحلة تحتاج إلى قرارات عملية، وتنسيق بين المؤسسات، واستعداد لمتابعة ما قد يحدث على المستويين الميداني والدولي.
وأفهم من البلاغ أن المغرب يعتبر انتهاء ولاية البعثة تحولًا مهمًا في مسار القضية الوطنية. لكن هذا التطور لا يعني أن جميع الخلافات انتهت، أو أن النزاع أُغلق نهائيًا داخل الأمم المتحدة. فما زال أمام الدبلوماسية المغربية عمل لإقناع المزيد من الدول بموقف المملكة، ودعم حل سياسي دائم يقوم على مبادرة الحكم الذاتي.
أول ما يستوقفني في البلاغ هو التأكيد على حماية الأراضي المغربية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، خصوصًا سكان الأقاليم الجنوبية. وهذه أولويات يفهمها الجميع؛ فالمواطن يريد أن يعيش آمنًا، وأن يذهب أبناؤه إلى مدارسهم، وأن تستمر أعماله وحياته اليومية في ظروف عادية.
ومن هنا أفهم حضور المسؤولين الحكوميين والأمنيين والعسكريين في الاجتماع. فالمرحلة تتطلب تنسيقًا واضحًا، يعرف فيه كل مسؤول ما يجب عليه القيام به. ولا يكفي أن تعلن الدولة موقفها، بل عليها أيضًا أن تتابع التطورات وتستعد للتعامل معها.
وفي تقديري، فإن قوة المغرب تظهر في قدرته على حماية الاستقرار، وعلى جعل سكان الأقاليم الجنوبية يشعرون بأن مصالحهم وأمنهم ومستقبلهم تحظى بالأولوية.
من أهم ما جاء في البلاغ أن المغرب سيواصل الالتزام بوقف إطلاق النار، رغم انتهاء ولاية المينورسو. ومعنى ذلك أن المملكة تقدم المحافظة على السلام باعتبارها اختيارًا تتحمل مسؤوليته.
وأرى في هذا الموقف رسالة إلى السكان والدول المجاورة والشركاء الدوليين: المغرب يريد الاستقرار، ويسعى إلى تجنب التصعيد. وهذا يعزز الثقة فيه، لأن الدول تتابع الأفعال وطريقة التصرف، إلى جانب التصريحات.
لكن الحفاظ على السلام يحتاج أيضًا إلى الحذر. فقد تقع حوادث أو استفزازات، وقد تنتشر أخبار غير دقيقة تزيد التوتر. لذلك، تبدو اليقظة ضرورية، مع التعامل المتزن مع كل تطور، حتى لا تتحول واقعة محدودة إلى أزمة أكبر.
وأعتبر أن الجمع بين الاستعداد الأمني وضبط النفس يخدم مصالح المغرب، ويحمي ما حققه من مكاسب دبلوماسية.
يتحدث البلاغ عن تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، بمواكبة تصفية البعثة وانسحابها. والمقصود بالتصفية هنا إنهاء أعمال البعثة وترتيباتها الإدارية والعملية، وتنظيم مغادرة أفرادها ومعداتها.
وأرى أن هذه الخطوة تعكس رغبة المغرب في أن تتم العملية بشكل منظم، وبالتعاون مع الأمم المتحدة. فالمملكة تستطيع التعبير عن موقفها من تجربة البعثة، مع الحفاظ على تعاونها مع المنظمة الدولية.
وهذا مهم من الناحية السياسية، لأن طريقة تدبير الانسحاب ستكون بدورها موضع متابعة. وكلما جرت العملية بهدوء ووضوح، تعززت صورة المغرب باعتباره دولة تحترم التزاماتها وتتحمل مسؤولياتها.
أعطى البلاغ أهمية لمواصلة تنمية الأقاليم الجنوبية والمشاريع الكبرى المرتبطة بها. وأرى أن هذه نقطة أساسية، لأن مستقبل المنطقة يرتبط أيضًا بما يتوفر لسكانها من فرص وخدمات.
فالطرق والموانئ والاستثمارات تكون أكثر فائدة حين تساعد على خلق فرص الشغل، وتشجيع المقاولات، وتحسين التعليم والصحة. والمواطن يقيس نجاح التنمية بما يتغير في حياته: هل يجد الشاب عملًا؟ هل تتلقى الأسرة العلاج في ظروف جيدة؟ هل يستطيع صاحب مشروع صغير أن يطور نشاطه؟
لهذا أعتبر أن مواصلة التنمية، مع الحرص على استفادة السكان منها، تعزز الاستقرار والثقة في المؤسسات. كما أن مشاركة أبناء المنطقة في تدبير شؤونهم تمنح هذه المشاريع قوة أكبر، لأنها تربطها بحاجاتهم وتطلعاتهم.
يجدد البلاغ التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الذي يدافع عنه المغرب لإنهاء النزاع. وتقوم الفكرة، بصورة مبسطة، على منح سكان المنطقة صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، في إطار السيادة المغربية.
وأرى أن أهمية هذا المقترح تكمن في تقديم تصور عملي للمستقبل: كيف تُدبَّر شؤون المنطقة؟ وكيف يشارك سكانها في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم؟ وكيف تُضمن حقوقهم وتُحمى مصالحهم؟
ومن المفيد أن يستمر شرح هذه المبادرة بلغة واضحة، حتى يفهم الناس مضمونها، ويدرك الشركاء الدوليون ما يمكن أن توفره من فرص لإنهاء النزاع. كما يجب التمييز بين تأييد دول للمقترح المغربي وبين الوصول إلى اتفاق نهائي؛ فالدعم الدبلوماسي يساعد على التقدم، لكنه يحتاج إلى عمل متواصل حتى يتحول إلى تسوية دائمة.
أقرأ الاجتماع الملكي باعتباره توجيهًا إلى مؤسسات الدولة للعمل وفق أولويات واضحة: حماية السيادة، وضمان أمن المواطنين، ومواصلة التنمية، والتعاون مع الأمم المتحدة، والحفاظ على السلام.
وفي تقديري، فإن أفضل طريقة لتثمين الموقف المغربي هي تحويل هذه الأولويات إلى نتائج يلمسها الناس. فالمغرب يعزز حجته حين يحافظ على استقرار أقاليمه الجنوبية، ويحسن ظروف عيش سكانها، ويواصل الدفاع عن مبادرته بالحوار والإقناع.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ثقة ويقظة وصبر. وما سيمنح السياسة المغربية قوتها هو استمرار الانسجام بين الموقف الدبلوماسي والعمل داخل البلاد، حتى يشعر المواطن بأن كل تقدم في القضية الوطنية يفتح أمامه أفقًا أوسع للأمن والكرامة والتنمية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق