الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، نوفمبر 05، 2026

ذكرى المسيرة الخضراء من قوة الإجماع الوطني إلى ترسيخ خيار الحكم الذاتي : عبده حقي


أستقبل السادس من نوفمبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء بإحساس بأن هذه المناسبة تتيح لنا قراءة المسافة التي قطعها المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية، وفي تحويل ثبات موقفه إلى مكاسب دبلوماسية متراكمة. أستعيد صورة المتطوعين الذين ساروا سنة 1975 استجابة لنداء الملك الحسن الثاني، وأرى فيها قدرة شعب على جعل قضيته الوطنية فعلًا جماعيًا سلميًا، يتجاوز حدود اللحظة إلى بناء ذاكرة مشتركة تتوارثها الأجيال. 

وتأتي ذكرى هذه السنة في ظرف يستدعي الدقة في توصيفه. فبحسب المعطيات الأممية المنشورة، انتهت ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026، بعدما أخفق مجلس الأمن في اعتماد مشروعين بشأن مستقبلها، وبدأت ترتيبات تصفيتها وانسحابها. ولذلك أميز بين انتهاء الولاية نتيجة عدم الاتفاق على تجديدها، وبين صدور قرار أممي متوافق عليه بتفكيك البعثة؛ فلكل حالة دلالتها السياسية والقانونية. وأعتبر هذا التمييز ضروريًا حتى تستند قراءة المكاسب المغربية إلى الوقائع، وتحتفظ الحجة الوطنية بقوتها ومصداقيتها. 

أرى أن أبرز ما يميز المسار المغربي هو نجاحه في تقديم مبادرة تستطيع مخاطبة العالم بلغة الحل. فمنذ طرح مقترح الحكم الذاتي سنة 2007، استطاع المغرب أن يربط الدفاع عن السيادة بعرض سياسي يفتح المجال أمام تدبير السكان لشؤونهم المحلية ضمن الدولة المغربية. وفي تقديري، تكمن قوة هذا الاختيار في أنه يمنح التفاوض مضمونًا مؤسساتيًا، ويتيح مناقشة الصلاحيات والضمانات والمشاركة، بدل إبقاء النزاع أسير المواقف المتقابلة.

وقد اكتسب هذا المسار وزنًا إضافيًا عندما نص قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر سنة 2025، على إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع الإبقاء على غاية التوصل إلى حل سياسي نهائي مقبول من الأطراف. وأقرأ هذا التطور باعتباره مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا للمغرب، لأنه عزز موقع مبادرته داخل مرجعية التفاوض الأممية. لكنه يظل أساسًا لدفع التسوية، ولا يعني أن الاتفاق النهائي تحقق بالفعل أو أن الالتزامات التفاوضية انتهت. 

وأجد في تطور الموقف الفرنسي مثالًا واضحًا على ثمرة العمل الدبلوماسي المتراكم. فقد أعلنت فرنسا أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الأساس الوحيد للوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومتفاوض عليه. وأعتقد أن أهمية هذا الموقف ترتبط بمكانة فرنسا داخل مجلس الأمن، وبما يتيحه وضوح موقفها من تقليص مساحة الغموض في التعامل مع القضية. 

ويكتمل هذا التحول الأوروبي بالموقف البريطاني المعلن في يونيو 2025، حين اعتبرت المملكة المتحدة المقترح المغربي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية للوصول إلى تسوية دائمة. وأفهم هذا الدعم في حدوده الدقيقة: إنه تعزيز سياسي لمبادرة الحكم الذاتي وتشجيع للتفاوض بشأنها. ومن وجهة نظري، فإن تراكم مواقف كهذه يرفع كلفة الاستمرار في رفض مناقشة المبادرة، ويجعل السؤال عن تفاصيل الحل أكثر إلحاحًا. 

غير أنني لا أبني تقييمي للمرحلة على اعتبار خروج المينورسو انتصارًا قائمًا بذاته. فالمكسب المغربي الأعمق، في نظري، هو تقدم مشروعه السياسي وقدرته على استقطاب التأييد. أما انتهاء مهمة أممية كانت تضطلع بأدوار في مراقبة الوضع الميداني، فإنه يطرح أيضًا مسؤوليات تتعلق بالاستقرار ومنع التصعيد. وقد أكدت الأمم المتحدة استمرار جهود مبعوث الأمين العام، ودعت إلى ضبط النفس والتعاون لضمان انسحاب منظم. وأرى أن مصلحة المغرب تكمن في إظهار أعلى درجات المسؤولية خلال هذا الانتقال. 

هنا أستحضر المعنى السياسي المتجدد للمسيرة الخضراء. لقد قامت قوتها على التعبئة والانضباط والثقة في عدالة القضية، وهي قيم أرى أننا نحتاج إليها اليوم في إدارة المكاسب. فالدولة الواثقة من موقعها تستطيع حماية أمنها، ومواصلة الدبلوماسية، وترك باب التسوية مفتوحًا. وأثمن في هذا السياق كل توجه مغربي يجمع بين الحزم في الدفاع عن الوحدة الترابية والاستعداد لحل سياسي يحفظ كرامة السكان ويتيح لهم المشاركة في بناء مستقبلهم.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب إبراز المضمون العملي للحكم الذاتي بصورة أوضح. فكلما استطاع المغرب تقديم تصور مقنع للصلاحيات المحلية، وآليات التمثيل، وتدبير الموارد، والضمانات الحقوقية، ازدادت قدرة المبادرة على الانتقال من التأييد العام إلى نقاش قابل لإنتاج اتفاق. وفي تقديري، لا تنتقص هذه التفاصيل من السيادة، بل تمنح المشروع قوته المؤسسية، وتساعد على بناء الثقة لدى من يريدون معرفة شكل حياتهم داخل التسوية المقترحة.

كما أربط نجاح الدبلوماسية باستمرار تحسين حياة المواطنين في الأقاليم الجنوبية. فالتنمية تصبح حجة سياسية أبلغ حين يلمسها المواطن في المدرسة والمستشفى وفرصة العمل وعدالة الإدارة. وأرى أن إشراك الشباب والنساء والكفاءات المحلية في القرار يعزز جاذبية المشروع الوطني، ويمنح الانتماء مضمونًا يوميًا. فالسيادة تستمد رسوخها أيضًا من شعور الإنسان بأنه شريك في وطن يحمي حقوقه ويتيح له التقدم.

وأتطلع، من هذا المنطلق، إلى خطاب يفسح مكانًا للمصالحة ولمستقبل العائلات التي أنهكها النزاع. أريد للحكم الذاتي أن يُقدَّم بوصفه أفقًا لحياة مشتركة، يسمح بتجاوز القطيعة ويمنح الأجيال الجديدة فرصة الخروج من إرث الانتظار. وأعتقد أن قوة المغرب الدبلوماسية يمكن أن تساعده على مخاطبة المختلفين معه بثقة، وعلى تحويل تقدم موقفه إلى فرص فعلية للتقارب والسلام.

غدًا، وأنا أستحضر ذكرى المسيرة الخضراء، سأحتفي بقدرة المغرب على الصبر والمبادرة وتوسيع التأييد لمقترحه. وسأرى في هذه المكاسب مسؤولية لمواصلة العمل، لأن قيمة النجاح الدبلوماسي تتجلى في قدرته على تقريب الحل وحماية الاستقرار. ذلك هو الامتداد الذي أتمناه لروح المسيرة: إجماع وطني يحمي السيادة، ومؤسسات تعزز المشاركة، وسياسة واثقة تجعل السلام الدائم أفقًا ممكنًا.


0 التعليقات: