الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، نوفمبر 03، 2026

من يروي المغرب في الفضاء الرقمي؟ بقلم عبده حقي


كلما تأملت الصور والحكايات التي تتداول عن المغرب في الفضاء الرقمي، وجدتني أمام سؤال يتجاوز مسألة الحضور على الإنترنت إلى مسألة امتلاك الصوت: من يروي هذا البلد؟ من ينتقي وجوهه، ويصف مدنه، ويشرح تناقضاته، ويقرر ما يستحق أن يظهر من حياته وما يمكن أن يبقى خارج الإطار؟ أسأل ذلك لأنني أشعر، ككاتب مغربي، بأن المسافة قد تتسع بين المغرب الذي أعيشه والمغرب الذي أراه معروضًا على الشاشات. أعرف بلدًا تتجاور فيه الأزمنة واللغات والتجارب، بينما ألتقي أحيانًا بصورة رقمية تختصره في بضعة مشاهد مألوفة، حتى يبدو المجتمع الواسع أشبه بواجهة يسهل التعرف إليها ويصعب الإنصات إلى ما وراءها.

لا أعترض على صورة زقاق عتيق أو صحراء مضيئة أو مائدة مغربية، فهذه كلها أجزاء من واقعنا ومن جمالنا. ما يقلقني هو أن يتحول الجزء إلى تعريف كامل، وأن يصبح تكرار الصورة بديلًا عن معرفة المجتمع. حينها يغدو المغرب مكانًا للمشاهدة أكثر مما يكون فضاءً لحياة بشرية تستحق الفهم. أرى السائح في الصورة، وأبحث عن العامل الذي هيأ المكان لاستقباله؛ أرى الصناعة التقليدية، وأتساءل عن حياة الصانع، وعن علاقته بأبنائه الذين قد لا يرغبون في وراثة حرفته؛ أرى القرية محاطة بالجبال، وأفكر في الطريق والمدرسة والمستوصف وفي الشابة التي تريد أن تغادرها. تبدأ الحكاية، بالنسبة إلي، عند النقطة التي تتوقف عندها الصورة المكتفية بجمالها.

وأجدني مضطرًا إلى مساءلة الضمير الذي أستخدمه حين أقول «نحن المغاربة». من يمنحني حق الكلام باسم هذا التعدد كله؟ إن إقامتي داخل البلد، وكتابتي بلغته أو بإحدى لغاته، تمنحانني صلة بالتجربة، لكنهما لا تمنحانني معرفة تلقائية بجميع حيواتها. قد أكون قريبًا من شارع أعرفه، وبعيدًا عن معاناة تجري في الحي المجاور. وقد أكتب عن العالم القروي من داخل تصورات ورثتها المدينة، أو أتحدث عن الشباب بلغة لا تسمع ما يقولونه عن أنفسهم. لهذا أرى أن شرعية المبدع المحلي تبدأ من وعيه بحدود موقعه، ومن قدرته على الإصغاء إلى من لا يشبهونه، وعلى مراجعة الصورة التي يحملها عن مجتمعه.

مع ذلك، أعتقد أن للكتابة المحلية معرفة يصعب تعويضها. إنها معرفة النبرة والإشارة والصمت، ومعرفة الكلمات حين يتغير معناها بحسب المتكلم والمقام. في عبارة دارجة قصيرة قد يستقر تاريخ من الحرج أو المودة أو الاحتجاج، وفي الانتقال بين العربية والأمازيغية والفرنسية قد تظهر علاقة بالمدرسة والأسرة والعمل والمكانة الاجتماعية. لا يكفي أن تُترجم الكلمات لكي تُفهم التجربة. أحتاج، بوصفي قارئًا، إلى أن أعرف لماذا اختارت شخصية لغة معينة في لحظة معينة، ولماذا أخفت شعورها خلف مزحة، ولماذا قالت شيئًا وأرادت شيئًا آخر. هنا يمنح الأدب المجتمع كثافته، ويعيد إلى الإنسان ما تحذفه التعريفات السريعة.

لكنني حين أنقل هذه الكتابة إلى الفضاء الرقمي أكتشف أن امتلاك الحكاية لا يضمن وصولها. فبين النص وقارئه تقف أنظمة للبحث والترتيب والتوصية، وتتدخل عادات التلقي وأشكال العرض في تحديد ما يلفت الانتباه. وأتصور، في سياق كهذا، أن المبدع قد يجد نفسه مطالبًا بأن يكيّف حكايته مع شروط الظهور: عنوان أشد إثارة، ومشهد أسرع، وشخصية يمكن اختزالها في صفة واحدة. لا تصبح المشكلة مجرد منافسة بين نص جيد ونص ضعيف؛ إنها أيضًا منافسة بين أزمنة مختلفة للفهم، أحدها يحتاج إلى التمهل، والآخر يريد من الحكاية أن تكشف أوراقها قبل أن تبدأ.

أخشى عندئذ أن نتعلم رواية المغرب وفق الصورة التي يسهل تداولها عنه. فقد ينتبه الكاتب أو صانع المحتوى إلى أن مشهدًا بعينه يثير الاستجابة، فيكرره، ثم يعيد ترتيب الواقع لكي ينتج المشهد نفسه. ومع تراكم هذا السلوك قد تتحول توقعات الجمهور إلى قالب نكتب داخله، ونحسب أننا نصف المجتمع بحرية. إنني أرى في هذه الدائرة خطرًا على الخيال نفسه، لأن ما لا يجد استجابة سريعة قد يُهمل قبل أن تُمنح له فرصة التعبير. ثمة حيوات كاملة لا تحتوي على مفاجأة قابلة للعرض، لكنها تحتوي على ما يستحق الرواية: انتظار طويل، وعمل متكرر، ورعاية يومية، وخيبة تتكون ببطء.

وحين أنتقل من المنصات إلى النماذج اللغوية العالمية، يتخذ السؤال شكلًا آخر: أي مغرب تستطيع هذه النماذج أن تصفه، ومن أي مواد تبني وصفها؟ أفهم أن الإجابة التي تولدها ترتبط بما أتيح لها تعلمه وبطريقة بنائها وتوجيهها، ولذلك لا أستطيع أن أتعامل مع سلاسة العبارة بوصفها دليلًا على عمق المعرفة. قد يبدو النص متوازنًا ومطمئنًا، فيما يحتاج قارئه إلى التوقف عند تفاصيله، وإلى السؤال عما أغفله، وعما جمعه تحت اسم واحد، وعما قدمه باعتباره سمة ثابتة لمجتمع تتغير أحواله وتختلف تجاربه.

وأتساءل خصوصًا عن أثر تفاوت الحضور الرقمي في صناعة هذه المعرفة. ماذا يحدث للتجارب التي تُعاش شفهيًا أكثر مما تُكتب؟ ما نصيب الذاكرة الأمازيغية، والرسائل العائلية، والحكايات المحلية، والصحافة القديمة التي لم تُرقمن، والكتابات التي يصعب العثور عليها؟ إذا كانت المواد المتاحة عن موضوع ما محدودة أو متشابهة، فإنني أتوقع أن يضيق معها مجال الصورة الممكنة عنه. وما يثير قلقي هنا هو أن يتحول نقص التوثيق إلى نقص متخيل في الوجود، فيبدو ما يسهل العثور عليه أكثر تمثيلًا للمغرب مما هو عليه فعلًا، وتبقى تجارب أخرى خارج مجال الاستدعاء.

أستطيع أن أتخيل جوابًا أنيقًا عن «المرأة المغربية» أو «الشباب المغربي» أو «الثقافة المغربية»، ثم أتساءل عن الفروق التي ذابت داخل هذا الإفراد اللغوي. أي امرأة نقصد، وأي شباب، وأي علاقة بالثقافة؟ إن حياة طالبة في فاس تختلف عن حياة عاملة زراعية، كما تختلف تجربة شاب يبحث عن عمل عن تجربة شاب يدير مشروعًا رقميًا، وقد يجمعهما قلق ويفصل بينهما آخر. لا أطلب من كل إجابة أن تستوعب البلد كله، لكنني أريد منها أن تعترف بمستوى التعميم الذي تستخدمه. فالعبارة التي تشرح جماعة بشرية بثقة مفرطة قد تسلب أفرادها حق الاختلاف وهي تبدو منشغلة بتعريفهم.

لهذا لا أحصر الصراع في مواجهة بين مبدع مغربي وتقنية أجنبية. أراه صراعًا على شروط المعرفة، وعلى حق المجتمع في أن يدخل المجال الرقمي بتعدده وتناقضاته. وقد يسهم كاتب محلي في تثبيت صورة فقيرة عن بلده، مثلما قد يقدم باحث من خارجه قراءة دقيقة ومنصفة. المعيار الذي أتمسك به هو مقدار ما تمنحه الرواية للناس من تعقيد، ومقدار ما تسمح لهم بأن يظهروا بوصفهم أصحاب تجارب ومواقف، لا مجرد شواهد على فكرة أُعدت سلفًا. إن قرب الكاتب من موضوعه مسؤولية تحتاج إلى عمل، ولا تكفي فيه الهوية وحدها.

وأرى في الذكاء الاصطناعي إمكانية نافعة للمبدعين المغاربة متى دخلنا إليه بحس نقدي. يمكنني أن أستعين به في اقتراح مسارات للمقارنة، أو في مراجعة بناء نص، أو في إعداد ترجمة أولية أعود إليها بالتصحيح. غير أنني أحتاج إلى الانتباه إلى اللحظة التي يبدأ فيها اقتراحه بإزاحة صوتي. فقد أميل إلى عبارة سلسة لأنها جاهزة، مع أن عبارتي المترددة أكثر وفاءً لما أريد قوله. وقد أقبل وصفًا مألوفًا للمكان لأنه يبدو مفهومًا للقارئ، بينما تكمن قيمة الكتابة في إظهار ما لم يألفه بعد. تصبح الاستعانة مثمرة حين تساعدني على توسيع عملي مع بقاء الحكم الأدبي والمعرفي مسؤولية أتحملها.

ولا أعتقد أن هذه المسؤولية يمكن أن تقع على الكاتب منفردًا. حين أفكر في حضور المغرب الرقمي، أفكر في المكتبات ودور النشر والجامعات والمؤسسات الثقافية، وفي الحاجة إلى إتاحة النصوص والأرشيفات بشروط واضحة تحفظ الحقوق وتسهل القراءة والبحث. وأفكر في قيمة الفهرسة الدقيقة، والتأريخ، والتعريف بالمؤلفين، وربط الوثيقة بسياقها. قد يبدو هذا عملًا بعيدًا عن بريق الإبداع، لكنه يؤثر في إمكان العثور على الإبداع وفهمه. إن قصة منشورة في مجلة قديمة لا تستطيع أن تدخل حوارًا رقميًا واسعًا إذا ظلت حبيسة عدد يتعذر الوصول إليه.

وأضع الترجمة في قلب هذا الجهد. أريد للأدب المغربي أن يسافر إلى لغات أخرى حاملًا خصوصيته، وقادرًا في الوقت نفسه على إقامة صلة مع قارئ لا يعرف تفاصيله. وأعرف أن ذلك يحتاج إلى اختيارات واعية ودعم واستمرارية، وإلى تجنب حصر ما يُترجم في الأعمال التي توافق صورة جاهزة عن البلد. كلما تنوعت الأصوات المتاحة للقراءة، اتسعت إمكانات التعرف إلى المغرب خارج العبارات الموروثة. فالترجمة، كما أفهمها، تمنح التجربة فرصة أن تُقرأ في سياق جديد، وأن تقاوم الاختزال بحضورها الأدبي نفسه.

وأعود في النهاية إلى حقي كقارئ في أن أسأل كل رواية عن مصدر نظرها وحدود معرفتها، سواء جاءت من كاتب أو مؤثر أو منصة أو نموذج لغوي. أريد أن أتعلم قراءة ما يظهر أمامي بوصفه اختيارًا قابلًا للفحص، وأن أميز بين الشهادة والتخييل والتعميم، وبين ما يُعرف عن المجتمع وما يُفترض عنه. وأريد، ككاتب، أن أخضع نصي للأسئلة نفسها، لأن مطالبتي بتمثيل أعدل تفقد معناها إن كنت أستثني صوتي من النقد.

من يروي المغرب في الفضاء الرقمي؟ أراه سؤالًا عن المستقبل الذي نهيئه لذاكرتنا، وعن مقدار ما نمنحه لحياتنا من لغة وصور ووثائق. لا أطمح إلى رواية واحدة تتكلم باسم الجميع؛ أطمح إلى فضاء تتجاور فيه روايات كثيرة، ويستطيع فيه من اعتاد أن يكون موضوعًا للوصف أن يصبح صاحب الكلام. وسأظل أكتب من موقعي، مدركًا حدوده، وباحثًا عما لا تلتقطه الصورة السريعة: عن الإنسان الذي يعود إلى بيته بعد انطفاء الكاميرا، وعن الكلمات التي يقولها حين لا ينتظر منه أحد أن يمثل المغرب، وإنما أن يعيش حياته.


0 التعليقات: