أفتح هاتفي فأجد قضيةً تحتل واجهة النقاش. مقطع قصير يتكرر في صفحات عدة، وتعليقات تستعيد العبارة نفسها، ووسم يصعد بسرعة. بعد دقائق، أجدني أتعامل مع هذه الكثافة كما لو كانت دليلًا على أن القضية تشغل الناس جميعًا. ثم أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا: كم شخصًا عبّر فعلًا عن رأيه، وكم مرةً ظهر أمامي الرأي نفسه؟ بين عدد الناس وعدد مرات الظهور مساحة واسعة تعمل فيها مزارع البوتات، ويُصنع فيها ما أسميه الرواج الوهمي.
أقصد بمزارع البوتات شبكات تُدار فيها حسابات آلية على نطاق واسع، وقد تعمل إلى جانب حسابات يتولى تشغيلها أشخاص. ويمكن توجيه هذه الحسابات إلى مشاهدة مقطع، أو الإعجاب بمنشور، أو تكرار تعليق، أو دفع وسم إلى الواجهة. وما يلفتني هنا أن السلعة المعروضة للبيع هي الانطباع الذي يخلّفه الرقم. فصاحب المقطع يشتري مشاهدات، لكن ما يراه الزائر بعد ذلك هو مقطع يبدو أن جمهورًا عريضًا اختار مشاهدته. ويشتري صاحب الصفحة تعليقات، فيقرأ القادم الجديد تحت منشوره ما يشبه إجماعًا تكوّن قبل وصوله. وقد وثّق تحقيق لقناة «آرتي» جانبًا من هذه السوق، من بيع تجهيزات لإدارة الهواتف والحسابات إلى بيع التفاعل نفسه.
ما الذي تشتريه الأرقام لصاحبها؟
أتصور المشهد من موقع قارئ يتصفح هاتفه على عجل. أمامه منشوران في الموضوع نفسه، أحدهما يحظى بعشرات التفاعلات، والآخر بآلافها. قد يفتح الثاني أولًا لأنه يبدو أقرب إلى ما يتداوله الناس. وفي تلك اللحظة يكون التفاعل المصطنع قد حقق غرضًا مباشرًا، إذ استولى على دقيقة من انتباه قارئ حقيقي. وقد يضيف هذا القارئ تعليقًا ساخطًا أو يشارك المنشور استنكارًا لمضمونه، فتبدأ مادة دُفع بها اصطناعيًا إلى الواجهة في اجتذاب تفاعل بشري حقيقي. ولهذا يصعب، بعد اتساع التداول، فصل الدفعة الأولى عن ردود الفعل التي جاءت في أعقابها.
وفي السياسة، قد يكفي صاحب الحملة أن يجعل موضوعًا بعينه يفرض نفسه على النقاش. فإقناع القارئ بموقف سياسي مهمة، وإشغاله لساعات بالرد على اتهام أو شائعة مهمة أخرى. أتوقف هنا عند ما يمكن قياسه فعلًا. رصد النشر المتزامن أو تكرار الرسائل قد يساعد في كشف التنسيق، وقد وثّقت «ميتا» حالات استُخدمت فيها حسابات زائفة لنشر مواد في مجموعات متعددة كي تبدو أكثر رواجًا. أما معرفة ما إذا كان الجمهور قد صدّق تلك المواد أو غيّر موقفه بسببها، فتحتاج إلى أدلة تتجاوز سجل المشاهدات والمشاركات.
وأرى أثرًا آخر لهذا النشاط في الحياة اليومية للمنصات. فالشخص الذي يدخل إلى نقاش ويجد عشرات الحسابات تردد عبارات هجومية قد يتردد في إبداء رأيه، ولو ظل مقتنعًا به. والمؤثر الذي يشاهد منافسًا يحقق أرقامًا لافتة قد يغيّر ما يقدمه ليحاكي وصفة نجاح تبدو ناجعة. والصحفي الذي ينقل وسمًا رائجًا إلى عنوانه قد يمنحه جمهورًا جديدًا. هكذا يمكن للرقم المصطنع أن يؤثر في قرارات بشرية مختلفة، من الصمت إلى التقليد إلى النشر، حتى عندما يتعذر قياس أثره في القناعات.
ما الذي أتحقق منه قبل أن أكتب عن حملة؟
من موقعي كصحفي مغربي، أجد هذا السؤال مهمًا كلما احتدم سجال رقمي حول بلدي. أبدأ بالمنشورات الأولى التي يمكن العثور عليها، وأقارن توقيت ظهورها وصياغتها ومسار انتقالها بين الصفحات. وإذا ظهرت عبارات متطابقة في حسابات عدة، أسأل عن مصدرها المشترك. فقد تكون اقتباسًا من بيان تناقله مستخدمون مستقلون، وقد تكون جزءًا من نشاط منسّق. ويتطلب الانتقال من الاشتباه في التنسيق إلى تسمية الجهة التي تقف وراءه أدلة تربط الحسابات بمن يديرها. فالخطأ في إسناد الحملة يمكن أن يضيف شائعة جديدة إلى السجال الذي أحاول فهمه.
وتنطبق القاعدة نفسها على الصور التي تُقدَّم بوصفها دليلًا على نشاط هذه المزارع. فمشهد الرفوف المليئة بالأجهزة يجذب العين ويمنح الرواية المصاحبة له مظهرًا مقنعًا. لكن الصورة تحتاج بدورها إلى مصدر وتاريخ وسياق. وقد تتبعت «رويترز» مقطعًا قُدّم على أنه تسريب من مزرعة بوتات في الصين، فعثرت على مصدره لدى شركة تسويق في فيتنام. ما يعنيني في هذه الواقعة هو سهولة انتقال المشاهد من رؤية معدات إلكترونية إلى تصديق قصة كاملة عن مكانها وهوية مشغّليها، اعتمادًا على سطر كتبه ناشر المقطع.
لهذا أتحفظ، في عملي الصحفي، على عبارات من قبيل «المغاربة غاضبون» أو «الجمهور يطالب» عندما يكون سندها مجموعة تعليقات أو وسمًا متداولًا. أستطيع أن أقول إن وسمًا انتشر، وأن أصف ما نشرته حسابات بعينها، وأن أنقل شهادات أصحابها متى أمكن التحقق منها. أما الحديث باسم جمهور أوسع فيحتاج إلى معرفة من عبّر عن موقفه، ومن وصل إليه المحتوى، ومن غاب أصلًا عن النقاش. فالمواطن الذي لم يكتب تعليقًا، أو الذي لا يستعمل المنصة، يظل جزءًا من المجتمع الذي أكتب عنه.
حين أعود إلى هاتفي وأرى العبارة نفسها للمرة العاشرة، أتساءل عمّا أضافه ظهورها الأخير إلى معرفتي بالموضوع. قد أكون أمام رأي واسع الانتشار فعلًا، وقد أكون أمام عدد قليل من الحسابات التي أحسنت استغلال طريقة عرض المنشورات. ومن هنا يبدأ عملي كصحفي: أتعامل مع الرواج بوصفه واقعة تحتاج إلى تفسير، وأتتبّع الطريق الذي سلكه الكلام قبل أن أصفه بأنه صوت الناس.







0 التعليقات:
إرسال تعليق