يعيش المشهد الثقافي والفني في مختلف الأطر الجغرافية موجة من الأحداث والمبادرات والتطورات التي تعكس حيوية الحياة الثقافية والإعلامية الرقمية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. من المغرب إلى العالم العربي، ومن إفريقيا إلى العالم بأسره، تظهر بوادر تحول وانفتاح في الثقافة والفنون، وفي الصحافة والإعلام والتكنولوجيا، وصولاً إلى الأدب الرقمي.
في المغرب تتسارع الأحداث في الساحة الثقافية والفنية، حيث تنشط فعاليات متنوعة تعكس تراث المملكة وتجدده في سياقات معاصرة، وقد شهدت الصحف المحلية في الأيام الأخيرة اهتماماً واسعاً بأخبار مثل اختيار الرواية المغربية “في متاهات الأستاذ ف.ن.” ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، في إنجاز يعكس تمثلاً قوياً للإبداع المغربي في سوق الأدب العربي الواسع، تزامناً مع منح جوائز تقديرية في الدورة الخامسة والأربعين لجائزة الحسن الثاني للمخطوطات، التي أبرزت إبداعات نصوصية وتحقيقات في التراث القديم والحفاظ عليه وتحديث عرضه. كما جاء انتخاب الناقد محمد شويكة رئيساً لجمعية نقاد السينما المغربية، في خطوة احترافية تعزز من مكانة النقد السينمائي في المغرب وتفتح المجال أمام نقاشات جديدة حول السينما الوطنية وإسهاماتها في الفضاء الثقافي المحلي والعالمي. وفي مبادرات شابة تواكب التطور الرقمي، أعلنت الوزارة المسؤولة عن تمديد فترة الترشيح للدورة الثانية من برنامج “صانع ألعاب الفيديو”، وهو برنامج يستهدف بناء كوادر مغربية جديدة في صناعة الألعاب الإلكترونية، مجسداً اهتمام الدولة ببناء اقتصاد ثقافي رقمي مستدام وجذاب للشباب. من جهة أخرى، تم انتخاب المغرب عضواً في مجلس المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية «إيكروم»، ما يعكس اعترافاً دولياً بمساهمة المغرب في المحافظة على التراث الثقافي الإنساني، ويضعه في موقع فاعل داخل شبكات التعاون الدولية في هذا المجال.
على الصعيد العربي، تتواصل مبادرات تعليمية وثقافية تجمع بين الأدب واللسانيات والتحولات الرقمية، فقد أسهمت الأكاديمية الدكتورة عرين خليفة في مؤتمر دولي لأساتذة اللغة الإنجليزية في تقديم ورقة بحثية جديدة تناولت إعادة تفكير في قيمة الأدب في العصر الرقمي، مسلطة الضوء على التحولات الجوهرية التي أحدثتها التكنولوجيا في إنتاج وتلقي النصوص الأدبية في ظل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على علاقة القارئ بالنص الأدبي. وفي مساحة تدريبية تواكب التحولات الرقمية في الإعلام، أعلنت مؤسسة إعلامية عن إطلاق دورة جديدة لصقل مهارات الصحفيين المؤثرين من الجيل الجديد “Gen Z” عبر مشروع يضم خبراء من مختلف أنحاء العالم العربي، في مسعى لتطوير قدرات الإعلاميين الشباب في مواجهة تحديات الإعلام الرقمي المتسارع.
في أفريقيا أيضاً، تنشط الساحة الثقافية في اتجاهات جديدة تواكب تطور السرد والوسائط الرقمية، ويبرز برنامج “KESSA” الذي أُطلق أخيراً كمبادرة تهدف إلى تدريب وربط 30 موهبة صاعدة في مجال السرد القصصي من القارة، تشمل مبدعين وصحفيين وعلماء ومؤثرين يعملون على إعادة تشكيل القصص والمعرفة في الفضاء الأفريقي، وهو برنامج يقدم منصة متجددة لصياغة روايات جديدة تتفاعل مع واقع القارة المتنوع وتطلعاتها المستقبلية. كما أن المبادرات الرقمية في السرد تتوسع تدريجياً عبر مشاريع مثل منصة “Brittle Paper” التي تعد واحدة من أبرز المجلات الإلكترونية التي تنشر القصص والقصائد والنصوص الإبداعية للأدباء الأفارقة، ما يعكس ترابط القارئ مع المنصات الرقمية التي تدعم الأدب والإبداع في بيئة رقمية مفتوحة.
على الصعيد العالمي، تستمر الثقافة والفنون في التطور والتفاعل مع التحولات الرقمية والتكنولوجية. تتصدر منصات رقمية وتقارير خاصة بمشهد الفنون والإعلام العالمي اهتمام القراء من خلال منظور يمتزج بين التراث والإبداع الحديث، مع بروز نقاشات حول دور الفنون في العصر الرقمي والتحديات التي تواجهها في ظل وفرة المحتوى الرقمي وسرعة نشره عبر شبكات الإنترنت.
في مجال الصحافة والإعلام والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يشهد المغرب تحولات مهمة معدمج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار المحلية، حيث تتبنى المؤسسات الإعلامية أكثر من 20 منصة قائمة على الذكاء الاصطناعي لتسهيل إنتاج المحتوى، والتحقق من الحقائق، والبحث المعلوماتي، مما يؤدي إلى تطوير الأداء الصحفي ورفع كفاءته في زمن السرعة الرقمية، بينما في السياق الإقليمي والعالمي، تتواصل الدعوات والحوارات حول إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أسرع وأكثر تأثيراً من قبل المجتمعات العربية الشابة، في تأكيد على أن المنطقة تمتلك قاعدة شبابية قادرة على اللحاق بركب التطور التكنولوجي العالمي وتوظيفه في مجالات الاقتصاد والثقافة والإعلام بشكل فعّال. ويرى الخبراء أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام والصحافة يمكن أن يوفر أدوات جديدة في التحقق من الأخبار ومكافحة التضليل المعلوماتي، وأيضاً في دعم إنشاء محتوى إعلامي غني ومتنوع.
في العالم العربي بشكل أوسع، يشهد المشهد الإعلامي حوارات حيوية حول دمج التقنيات المتقدمة في التعليم والصحافة، في ظل تساؤلات حول كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تعزيز التعليم والعمل الإبداعي وتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور. بينما في أفريقيا، يبرز اهتمام متزايد ببناء القدرات الرقمية عبر مراكز متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وهي مبادرات تسعى إلى تعزيز دور القارة في الاقتصاد الرقمي العالمي، مع تركيز خاص على التعليم والتدريب لبناء جيل قادر على قيادة المشاريع التقنية.
أما على المستوى العالمي، فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يواصلان دفع حدود الابتكار في الصحافة والإعلام، مع تقارير دولية تؤكد أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأخبار والتحقق من الحقائق وصياغة المحتوى يتوسع بوتيرة سريعة، وهو ما يعيد تشكيل مهنة الصحافة نفسها وتطرح أسئلة حول أخلاقيات استخدام هذه الأدوات، وفرصها، والتحديات التي تواجهها المجتمعات في التعامل مع المعلومات في زمن السرعة الرقمية.
وأخيراً، في موضوع الأدب الرقمي، يشهد المشهد العربي والأفريقي والعالمي تحولاً في الفضاءات الأدبية، حيث يتمدد مفهوم الأدب التقليدي ليشمل أشكالاً رقمية تفاعلية تتجاوز النص المكتوب إلى تجربة غامرة يستطيع القارئ أن يتفاعل معها، ما يجعل من الأدب شكلاً من أشكال الفن الرقمي الذي يدمج بين النص والإبداع التكنولوجي، وهو تحوّل يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ، ويخلق مساحات جديدة للإبداع والتفكير النقدي في مستقبل الأدب والمعرفة في العالم الرقمي الحديث.







0 التعليقات:
إرسال تعليق