الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يناير 30، 2026

الإعلام بين الابتكار والفوضى الرقمية: قراءة في تحولات 2026: إعداد عبده حقي

 


في الجمعة 30 يناير 2026 يبدو المشهد الإعلامي والرقمي في المغرب والعالم العربي وإفريقيا كأنه يتحرك على سكتين متوازيتين: سكةُ تسريع الابتكار (الذكاء الاصطناعي، المنصات، المحتوى السمعي البصري)، وسكةُ شدّ الفرامل التنظيمية والأخلاقية (التحقق، الخطاب المسؤول، حماية الأفراد من إساءة الاستخدام). وبين السكتين، تتشكّل “مهنة الصحافة الجديدة” التي لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تُدير المخاطر التقنية، وتعيد تعريف الثقة في زمن الخوارزميات.

المغرب: سباق السيادة الرقمية… ومعركة المعايير المهنية

في المغرب، يبرز عنوانان متداخلان اليوم: ترسيخ السيادة الرقمية من جهة، ورفع سقف المسؤولية التحريرية من جهة ثانية. على مستوى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تصدّر النقاش إطلاق خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي تحت أفق 2030، بما يتضمن رهانات التشغيل والتكوين وبناء القدرات. تقريرٌ حديثٌ أشار إلى أهداف مرتبطة بتأهيل عشرات الآلاف وخلق فرص شغل بحلول 2030، مع تنبيه الخبراء إلى تحديات التمويل والبيانات وحكامة المنظومة.
وفي السياق نفسه، جاءت خطوة “معاهد الجزري” وشراكات البحث والتطوير، بما فيها تعاون معلن مع شركة أوروبية ناشئة رائدة في الذكاء الاصطناعي التوليدي لتوطين المعرفة وبناء مختبرات مشتركة، وهو ما يضع الإعلام المغربي أيضاً أمام فرصة عملية: صحافة بيانات أقوى، أدوات تحرير ذكية، ونماذج لغوية عربية/دارجة أكثر نضجاً.

لكن الوجه الآخر للعملة ظهر في قرار/توصية تنظيمية لافتة: المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري دعا، عبر توصية موجهة لمتعهدين إذاعيين وتلفزيين، إلى تطوير “اليقظة التحريرية” والانتباه للمفردات ذات الشحنة القدحية أو التمييزية (مرتبطة بالنوع أو السن أو الإعاقة أو الوضع الاجتماعي أو الهجرة…). الرسالة هنا أن التحول الرقمي لا يُقاس فقط بسرعة البثّ، بل أيضاً بـ”جودة المعنى” وكرامة الأشخاص في الخطاب العمومي.

وفي الهامش السمعي البصري، يطلّ خبر ذو دلالة على صناعة المحتوى: إعلان مشروع مدينة/مجمع تصوير سينمائي كبير قرب الرباط يراهن على بنية إنتاجية وتكوينية قادرة على استقطاب منصات عالمية. قد يبدو بعيداً عن “الصحافة” بالمعنى الضيق، لكنه يمسّ قلب الاقتصاد الإعلامي الجديد: منصات، استوديوهات، حقوق بث، وخوارزميات توزيع تقرر أيّ قصة تصل إلى الجمهور أولاً.

أما على مستوى أخلاقيات الخبر والدقة، فقد عاد النقاش إلى الواجهة عبر جدل دولي حول تغطيات مرتبطة بأحداث رياضية في المغرب، وما تبعها من تبادل اتهامات بشأن الدقة والتحقق. هذا النوع من السجالات يعيد طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: من يملك “حق تعريف الحقيقة” حين تتسابق غرف الأخبار والصفحات الاجتماعية على العناوين الأسرع؟

العالم العربي: حوكمة الذكاء الاصطناعي… وإعلامٌ يبحث عن نموذج عادل

عربياً، تتقدم ثلاث ظواهر متزامنة: سباق “الذكاء الاصطناعي السيادي”، واشتداد النقاش حول التنظيم، وتجارب إعلامية تحاول إعادة ابتكار المنتج والخدمة. في الخليج، برز خبر إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح/شبه مفتوح من جامعة متخصصة في أبوظبي بوصفه خطوة في اتجاه “الاستقلال التقني” وتقليص الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا. الدلالة الإعلامية هنا ليست تقنية فقط، بل استراتيجية: من يمتلك النموذج يمتلك قدرة أكبر على بناء أدوات تحرير وترجمة ورصد وتوصية محتوى محلي بلغته وسياقه.

وبالتوازي، طرح نقاش “الحوكمة” نفسه في محافل دولية، مع تأكيد مسؤولين إماراتيين على ضرورة إطار تنظيمي متين يُرافق التطبيق بدل أن يطارده بعد وقوع الأضرار. هذا يعكس تحوّلاً في المنطقة: الذكاء الاصطناعي لم يعد “ترفاً تقنياً”، بل ملفاً سيادياً يمس الإعلام والتعليم والاقتصاد والأمن المعلوماتي.

على الضفة الأخرى من المشهد، ظهرت مبادرات إعلامية رقمية جديدة، منها الإعلان في دبي عن منصة/منتج إعلامي رقمي موجّه للعائلة، بما يعكس استمرار الرهان على المنصات المحلية والهوية التحريرية في زمن تيك توك ويوتيوب.
وفي قطر، اختارت مؤسسة إعلامية رسمية إطلاق مجلة دورية تُواكب تحولات الصناعة، في محاولة لجعل “الميتا-نقاش” حول المهنة جزءاً من المنتج الإعلامي نفسه، لا مجرد نقاش نخبوي خارج غرف الأخبار.

أما في مصر، فتتصاعد موجة “الذكاء الاصطناعي بوصفه حدثاً اقتصادياً وإعلامياً”: الإعلان عن قمة/معرض مخصص للذكاء الاصطناعي في فبراير 2026 يعطي إشارة إلى أن المنطقة تُعيد تموضعها كمستهلك ومُنتِج ومختبر سياسات في آن واحد. وفي ملف الأخبار الزائفة، طُرح نموذج استخدام أدوات ذكاء اصطناعي للتحقق وتشديد العقوبات، وهو ملف حساس لأن الحدّ الفاصل بين مكافحة التضليل وبين تقييد حرية التعبير يظل رفيعاً ويحتاج ضمانات شفافة.
وفي عمق النقاش المهني، لفت تحليل متخصص إلى خطر اتساع “فجوة الذكاء الاصطناعي” داخل غرف الأخبار العربية: مؤسسات قادرة على شراء البنية والأدوات، وأخرى تُدفع إلى تبعية تقنية ومعرفية تجعلها أفقر مهنياً وأكثر هشاشة أمام التضليل.

إفريقيا: المنصات، الديب فايك، وحروب الثقة

إفريقياً، تتقدم سنة 2026 بعناوين كبيرة تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى السياسة العامة وحقوق الإنسان. اليونسكو أعلنت عن مؤتمر دولي لحوكمة المنصات الرقمية في جامعة بريتوريا بجنوب إفريقيا خلال فبراير 2026، وهو مؤشر على أن القارة تريد مقعداً في طاولة قواعد اللعبة العالمية، لا أن تكون مجرد ساحة اختبار للمنصات والإعلانات والروبوتات.

وفي كينيا، وضع مجلس الإعلام ضمن أجندته لسنة 2026 أولويات ترتبط بالأخلاقيات والشكاوى والذكاء الاصطناعي، بما يعني أن التنظيم المهني (وليس الحكومي فقط) بدأ يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من “قواعد الممارسة” اليومية.
كما تُبرز تقارير حرية الإنترنت في إفريقيا أن التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي—وخاصة الديب فايك—صار تهديداً انتخابياً واجتماعياً، وأنه استُخدم لتشويه الخصوم أو لتأليب الرأي العام في سياقات سياسية متوترة.

وعلى المستوى العالمي الذي ينعكس فوراً على إفريقيا، كشف تحقيق صحفي عن توسع قنوات تنتج “عُرياً مُزيّفاً” بالذكاء الاصطناعي وتوزعه عبر تطبيقات مراسلة، وهو وجه مظلم للتقنية يضرب النساء خصوصاً ويضع الصحافة أمام واجب جديد: حماية الضحايا، شرح المخاطر، وعدم التحول إلى ناقل مجاني للإيذاء الرقمي.

وسط هذا كله، تنبّه تقارير دولية إلى أن التبنّي الشعبي للذكاء الاصطناعي التوليدي يتسارع بسرعة، ما يعني أن جمهور الصحافة نفسه صار يمتلك أدوات إنتاج نصوص وصور وفيديوهات لا تقل جودة عن بعض ما تبثه المؤسسات. ولهذا بالذات تتضاعف قيمة الصحافة الجيدة: ليست صحافة “الأسرع”، بل صحافة “الأكثر تحققاً”، القادرة على تفسير كيف تعمل الخوارزمية، ولماذا انتشر هذا الفيديو، ومن المستفيد من هذا التضليل. وفي هذا السياق، تأتي توقعات مؤسسات بحثية إعلامية بأن الذكاء الاصطناعي سيواصل قلب صناعة الأخبار، مع مفارقة: أدوات واعدة لرفع الإنتاجية، ومخاطر حقيقية على الثقة ونماذج الأعمال إن لم تُضبط المعايير.

الخلاصة أن “الجديد اليوم” في المغرب والعالم العربي وإفريقيا ليس خبراً واحداً، بل تحولٌ في قواعد اللعبة: الذكاء الاصطناعي يدخل قلب التحرير، والتنظيم يقترب من مفردة العنوان ومن خوارزمية المنصة، والجمهور يتحول من متلقٍ إلى مُنتِج. والرهان الفاصل في 2026 سيكون على من ينجح في الجمع بين ثلاثية صعبة: السرعة + الدقة + الكرامة الإنسانية.


0 التعليقات: