الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يناير 29، 2026

الصحراء المغربية… من نزاع إقليمي إلى حل سياسي نهائي: عبده حقي

 


أشعر، وأنا أتابع ما يجري في مطلع سنة 2026، أننا أمام منعطف حاسم في ملف الصحراء المغربية؛ منعطف قد نعيشه أو نُدفَع إليه أو نتفاوض حوله، خصوصًا من بوابة الجزائر. فهذا النزاع الذي شلّ المغرب العربي لعقود طويلة، وتفاقمت تداعياته بعد القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر في غشت 2021، يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة الحسم أو على الأقل إلى انفراجة سياسية حقيقية.

أقول هذا لأن المعطيات المتداولة تشير بوضوح إلى انخراط مباشر للإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إعداد لقاء مهم بواشنطن – أو على الأراضي الأمريكية – يضم مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، أي المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو. هذه الدينامية الجديدة ليست معزولة عن السياق الدولي، بل تأتي في إطار رؤية أمريكية تعتبر أن استمرار هذا النزاع بات عبئًا جيوسياسيًا يعرقل استقرار المنطقة المغاربية ويفتح المجال أمام تمدد قوى منافسة مثل الصين وروسيا.

في هذا السياق، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في 27 يناير 2026، المستشار البارز للرئيس الأمريكي المكلف بإفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، في زيارة هي الثانية له إلى الجزائر بعد زيارته اللافتة في يوليوز 2025. توقيت هذه الزيارة لم يكن بريئًا، إذ جاءت مباشرة بعد زيارة غير مُعلنة إعلاميًا بشكل واسع لوفد من جبهة البوليساريو إلى واشنطن، في محاولة واضحة للتأثير على الموقف الأمريكي، رغم أن الولايات المتحدة تعترف رسميًا بسيادة المغرب على صحرائه وتعتبرها جزءًا لا يتجزأ من ترابه الوطني.

ومن موقعي كمراقب ومتابع لهذا الملف، أؤكد أن الضبابية الإعلامية التي تحيط بقضية الصحراء ليست صدفة. فالإعلام الجزائري، كما الإعلام المغربي، لا يقدّم رواية محايدة، بل يدافع كلٌّ منهما عن موقف دولته. غير أن الفرق الجوهري، في نظري، يكمن في أن الموقف المغربي يستند إلى شرعية تاريخية، وسيادة فعلية، ومبادرة سياسية واقعية تتمثل في مشروع الحكم الذاتي، بينما يقوم الطرح الانفصالي على خطاب متجاوز لا يجد دعمًا حقيقيًا لدى القوى الكبرى.

لقد حاول وفد البوليساريو، الذي قاده من يُسمّى وزير خارجية “الجمهورية الصحراوية” غير المعترف بها دوليًا، إقناع الإدارة الأمريكية بمراجعة تحالفها مع المغرب. لكن هذا المسعى يصطدم بحقيقة ثابتة: واشنطن تعتبر أن الحل الوحيد الواقعي هو الحل المغربي، وأن أي مفاوضات لا يمكن أن تكون ذات جدوى في غياب الجزائر، الطرف الحقيقي والمؤثر في هذا النزاع.

وهنا أصل إلى لبّ الإشكال. فالولايات المتحدة، بمنطقها البراغماتي، تدرك أن البوليساريو بدون الجزائر مجرد واجهة سياسية. التمويل، التسليح، الدعم اللوجستي، والتوجيه الاستراتيجي، كلها عناصر مصدرها الجزائر. لذلك، لا ترى واشنطن أي جدوى في التفاوض مع “الواجهة” بدل التفاوض مع صانع القرار الفعلي. ولهذا تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرض حضور الجزائر على طاولة المفاوضات، مهما حاولت هذه الأخيرة التملص بادعاء الحياد.

حسب ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية، يُرتقب عقد اجتماع وزاري تمهيدي في مدينة أمريكية بعيدة عن الأضواء، لضمان السرية والهدوء، يشارك فيه ممثلون عن المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو. ومن الجانب المغربي، من المنتظر أن يشارك وزير الخارجية ناصر بوريطة، إلى جانب مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين رفيعي المستوى، في تأكيد واضح على جدية المغرب واستعداده للتفاوض ضمن سقف سيادته الوطنية.

أدرك جيدًا أن النظام الجزائري يجد نفسه اليوم في وضع حرج. فقبول المشاركة يعني الاعتراف الضمني بالمغرب كشريك مباشر، ونقض خطاب القطيعة والعداء الذي روّج له داخليًا لسنوات. أما الرفض، فسيُفسَّر في واشنطن كعرقلة متعمدة لمسار الحل، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية لا طاقة للجزائر بها، خاصة في ظل إدارة أمريكية لا تؤمن بالمجاملات الدبلوماسية.

من وجهة نظري، الولايات المتحدة لا ترى في نزاع الصحراء قضية “تصفية استعمار”، بل نزاعًا إقليميًا بين دولتين، وحله يمر عبر تسوية سياسية واقعية، لا عبر خلق دولة جديدة هشة في منطقة تعج بالمخاطر الأمنية والإرهابية. لا أحد، بصراحة، يؤمن اليوم بجدوى أو قابلية قيام كيان جديد بعدد سكان محدود وفي محيط جيوسياسي بالغ التعقيد.

صحيح أن الأمم المتحدة ما زالت تصنف الصحراء كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، لكن التطور الحاصل في مواقف القوى الكبرى، خاصة بعد قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025، يؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية باتت الخيار المفضل دوليًا، إن لم نقل الخيار الوحيد القابل للتنفيذ.

أعتقد، وبقناعة راسخة، أن سنة 2026 ستكون سنة الحقيقة في هذا الملف. فإما أن تنخرط الجزائر في مسار تفاوضي جدي يفضي إلى حل سياسي يحفظ ماء الوجه للجميع، أو أن تجد نفسها في مواجهة ضغوط أمريكية متصاعدة. وفي كل الحالات، يظل المغرب في موقع قوة: قوة الشرعية، وقوة المبادرة، وقوة الدعم الدولي المتزايد.

وأختم بالقول إن حل نزاع الصحراء على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لن يكون انتصارًا للمغرب وحده، بل فرصة تاريخية لإنقاذ المغرب العربي من الجمود، وفتح آفاق التعاون والتنمية أمام شعوبه. وربما، على النقيض من ذلك ، يكون الضغط الأمريكي هو ما يحتاجه النظام الجزائري للخروج من تصلبه، والقبول بحل واقعي يخدم استقرار المنطقة بدل استمرار نزاع استنزف الجميع.


0 التعليقات: