لم تكن قراءتي لدراسة نيلسون غودمان الموسومة بـ Reading Moving Letters قراءةً عابرة أو أكاديمية باردة، بل كانت أشبه بوقوف طويل أمام مرآة لغوية تعكس علاقتي القديمة والمتجددة بالحرف. شعرتُ، وأنا أتقدّم في صفحاتها، أنني لا أقرأ نصًا فلسفيًا فحسب، بل أراجع تاريخًا شخصيًا مع الكتابة، ومع تلك الحروف التي ظننتُ طويلًا أنها ساكنة، فإذا بها كائنات قلقة، متحرّكة، لا تستقر على معنى واحد.
ينطلق غودمان من فكرة مركزية مفادها أن الحرف ليس وحدة بريئة أو شفافة. الحرف، في تصوّره، لا يعمل إلا داخل نظام رمزي، وهذا النظام لا يكتسب معناه من شكله، بل من طريقة اشتغاله داخل الإدراك. هنا تصبح القراءة فعلًا إدراكيًا مركّبًا، تشترك فيه العين والذاكرة والتجربة الثقافية والتوقّع. لسنا نقرأ ما هو مكتوب فقط، بل نقرأ ما ننتظره، وما نخافه، وما نعرفه مسبقًا.
هذا الطرح أعادني إلى لحظات كثيرة في تجربتي مع الكتابة، حين كنتُ أكتشف أن الجملة، بعد أن تُكتب، لا تعود ملكًا لكاتبها. تتفلّت، تغيّر معناها باختلاف القارئ، وتتحرّك في اتجاهات لم يتنبّأ بها صاحبها. كأن الحرف، منذ لحظة خروجه من اليد، يبدأ حياةً مستقلّة. وهنا تحديدًا يلتقي غودمان مع جوهر الأدب: الكتابة لا تُنتج معنى نهائيًا، بل تفتح احتمالات.
في دراسته، يرفض غودمان التعامل مع الحروف بوصفها علامات ثابتة. الحركة، عنده، ليست حركة فيزيائية فقط، بل حركة دلالية. فالحرف “يتحرّك” حين يتغيّر سياقه، أو حين ينتقل من وسيط إلى آخر، أو حين يُقرأ بعين مختلفة. وهذا ما يجعل Reading Moving Letters نصًا استباقيًا، سبق زمنه، ولامس مبكرًا ما نعيشه اليوم في الأدب الرقمي.
في الأدب الرقمي، لم يعد الحرف مقيدًا بالصفحة. صار يظهر ويختفي، يتحوّل، يتفاعل مع القارئ. النص لم يعد خطًا مستقيمًا، بل شبكة، ومسارًا، وتجربة. هنا أستحضر الشعر البصري، حيث لا تُقرأ الكلمات فقط، بل تُرى. القصيدة لم تعد صوتًا داخليًا فحسب، بل مشهدًا. توزيع الحروف، الفراغات، البياض، الحركة… كلها عناصر تشارك في إنتاج المعنى.
حين كتبتُ نصوصًا رقمية، أو اشتغلتُ على السرد التفاعلي، أدركتُ أن القارئ لم يعد متلقّيًا سلبيًا. إنه يختار، ينقر، يغامر، ويعيد ترتيب النص. هذا التحوّل يعيدنا إلى أطروحة غودمان: المعنى لا يسكن الحرف، بل يُبنى أثناء التفاعل معه. القارئ، في الأدب الرقمي، لا “يكتشف” النص، بل يُنجزه.
الشعر البصري، بدوره، يقدّم مثالًا حيًا على “الحروف المتحرّكة”. فحين تتحوّل الكلمة إلى شكل، أو حين يُعاد ترتيب الحروف لتشكيل صورة، فإن القراءة تتحوّل إلى فعل مزدوج: قراءة بالعين وقراءة بالعقل. هنا، لا يعود السؤال: ماذا تعني الكلمة؟ بل: كيف تعمل؟ ماذا تفعل بي وأنا أراها قبل أن أفهمها؟
غودمان، في هذا السياق، لا ينفصل عن تقاليد فلسفية عميقة ترى أن الرمز لا يُحيل مباشرة إلى الواقع، بل إلى نظام من الاتفاقات الثقافية. لكن إضافته النوعية تكمن في تركيزه على الحركة، على التحوّل، وعلى عدم استقرار الدلالة. وهذا ما يجعل نصه صالحًا للقراءة اليوم، في زمن الشاشة والوسائط المتعدّدة، أكثر مما كان صالحًا لزمن الورق وحده.
في تجربتي الشخصية مع الكتابة، كثيرًا ما شعرتُ بأن النص الجيد هو ذاك الذي لا يكتمل. النص الذي يترك فراغات، مناطق صمت، ومساحات تأويل. وهذا بالضبط ما يدافع عنه غودمان فلسفيًا: المعنى ليس معطًى جاهزًا، بل علاقة. علاقة بين رمز وقارئ، بين حركة وسياق.
الأدب الرقمي، في هذا المعنى، ليس قطيعة مع الأدب التقليدي، بل امتداد راديكالي له. إنه يفضح ما كان مخفيًا دائمًا: أن القراءة فعل زمني، وأن المعنى يتغيّر بتغيّر المسار. كل نقرة، كل اختيار، هو قراءة مختلفة. وكل قراءة، كما يقول غودمان ضمنيًا، هي إنتاج جديد للمعنى.
ما يعجبني في Reading Moving Letters ليس فقط أطروحته، بل تواضعه المعرفي. غودمان لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح طريقة للنظر. نصّه نفسه يبدو كأنه يتحرّك، يراوغ القارئ، ويدعوه إلى المشاركة بدل التسليم. وهذا ما أبحث عنه دائمًا في الكتابة: نص لا يلقّن، بل يحاور.
في زمن تتكاثر فيه النصوص بسرعة، وتُستهلك ببرودة، تذكّرنا هذه الدراسة بأن القراءة فعل مقاومة. مقاومة السطحية، والثبات، والمعنى الواحد. الحروف، حين تتحرّك، تُجبرنا على التوقّف، على إعادة النظر، وعلى الاعتراف بأن اللغة ليست أداة طيّعة، بل كائن حيّ.
في النهاية، خرجتُ من قراءة غودمان وأنا أكثر قناعة بأن مستقبل الأدب ليس في قتل الورق ولا في تمجيد الشاشة، بل في الوعي بحركة المعنى. في إدراك أن الحرف، سواء كُتب بالحبر أو بالضوء، لا يعيش إلا حين نسمح له بأن يتحرّك داخلنا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق