الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يناير 29، 2026

وجوه تقرأ الأخبار ولا تشعر بها: الذكاء الاصطناعي ووهم المذيع الكامل: عبده حقي


في كل مرة يظهر فيها مذيع أخبار مولَّد بالذكاء الاصطناعي على الشاشة، ينتابني إحساس غامض يشبه الوقوف أمام شخص أعرف ملامحه لكنني لا أستطيع تذكّر اسمه. الصورة مألوفة، الصوت متقن، الكلمات مرتبة، ومع ذلك يبقى الشعور بالنقص حاضرًا، كفراغ صغير يتسع كلما طال التحديق. هذا الإحساس، الذي وصفه علماء الروبوتات منذ عقود، عاد اليوم ليطرق باب الإعلام بقوة، حاملاً معه أسئلة تتجاوز التقنية إلى صميم التجربة الإنسانية.

لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بكتابة الأخبار أو تحرير العناوين، بل صار يجلس في الواجهة، يقرأ، ينظر، ويبتسم في الوقت المناسب. غير أن هذه الابتسامة، على دقتها، تشبه ابتسامة صورة قديمة: ثابتة، لا تتغير مهما تغيّر الخبر. هنا يتجلى ما يسمى بوادي الغرابة، تلك المنطقة النفسية التي يشعر فيها المتلقي بأن شيئًا ما «غير مريح»، حتى وإن لم يستطع تحديده بدقة.

الأخبار، بطبيعتها، ليست نصًا محايدًا فقط، بل تجربة شعورية مشتركة. عندما يعلن مذيع بشري عن زلزال أو حرب، فإن صوته يرتجف قليلًا، أو يثقل، أو يصمت لثانية غير مكتوبة في النص. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح الخبر وزنه الإنساني. أما المذيع الاصطناعي، فيؤدي المهمة كما تؤدي الساعة وظيفتها: بدقة، من دون إحساس بالوقت.

تشير أبحاث إعلامية حديثة إلى أن الجمهور يثق بمن يشعر أنه «يشبهه»، لا بمن يبدو كاملًا أكثر من اللازم. الكمال هنا ليس فضيلة، بل عيب خفي. فالمتلقي لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن صدى ذاته في صوت الآخر. وحين يغيب هذا الصدى، يتحول الخبر إلى معطى جاف، مهما كان مهمًا.

الأمر لا يتوقف عند حدود التلقي النفسي، بل يمتد إلى المجال السياسي والأخلاقي. مذيع لا يتعب، لا يحتج، ولا يطرح أسئلة، هو حلم قديم للسلطة. تقارير صحفية دولية حذرت بالفعل من أن تعميم هذه التقنية قد يفتح الباب أمام إعلام بلا وجوه حقيقية، بلا مسؤولية شخصية، وبلا إمكانية للمساءلة.

ومع ذلك، لا يبدو المستقبل مغلقًا تمامًا. فربما يكون الحل في التعايش، لا في الإحلال. أن يبقى المذيع الاصطناعي أداة مساعدة، لا صوتًا نهائيًا. أن يُستخدم في الأخبار العاجلة أو البيانات التقنية، بينما يُترك المجال الإنساني لما يتطلب حساسية وحضورًا وجدانيًا.

في المحصلة، يكشف لنا المذيع المصنوع بالذكاء الاصطناعي حدود ما يمكن للآلة أن تبلغه، وحدود ما لا يمكنها تجاوزه. فالإعلام، مهما تطورت أدواته، يظل فعل تواصل بين بشر، تحكمه المشاعر بقدر ما تحكمه الوقائع. وادي الغرابة، في هذا السياق، ليس عقبة تقنية، بل تذكير هادئ بأن الإنسان، حتى في عصر الخوارزميات، ما زال يبحث عن صوت يشبهه، لا عن نسخة محسّنة منه.

0 التعليقات: