منذ اعتماد المغرب “التوقيت القانوني” على أساس غرينتش+1 ابتداءً من خريف 2018، لم يعد النقاش يدور حول عقارب الساعة فقط، بل حول إيقاع الحياة نفسه: نوم التلاميذ، مزاج الأسر، سلامة الطرق، إنتاجية الإدارات، وجاذبية المغرب كمنصّة أعمال قريبة من أوروبا. وقد ازدادت حساسية الموضوع لأن المغرب لا يبدّل الساعة مرتين سنويًا مثل دول أخرى؛ بل يعتمد غرينتش+1 أغلب السنة مع استثناء رمضاني يعود فيه مؤقتًا إلى غرينتش ثم يرجع إلى غرينتش+1 بعد رمضان.
1) البعد السيكولوجي: بين “ضوء المساء” و”صباحات الشتاء الثقيلة”
أ) الإيجابيات النفسية المحتملة
-
ضوء أطول بعد العصر: في جزء كبير من السنة، يمنح غرينتش+1 ساعة إضافية من الإنارة مساءً. هذا الأمر قد ينعكس إيجابًا على الإحساس بالنشاط بعد العمل/الدراسة، ويزيد فرص المشي والرياضة واللقاءات الاجتماعية قبل حلول الظلام. كما أن التعرض للضوء الطبيعي يرتبط عمومًا بتحسن جودة النوم والرفاه الذاتي لدى بعض الفئات، وفق أدبيات تربط بين الضوء اليومي والصحة والنوم.
-
تقليل صدمة “تغيير الساعة” المتكرر: كثير من الأبحاث تربط تبديل التوقيت (الانتقال المفاجئ ساعة للأمام/للخلف) باضطراب النوم والإيقاع اليومي في الأيام الأولى بعد التغيير. وبما أن المغرب يعتمد غرينتش+1 على نحو شبه دائم، فهو يتجنب جزءًا من هذه الصدمات مقارنة بالدول التي تبدّل مرتين سنويًا.
ب) السلبيات السيكولوجية الأبرز
-
الشتاء: صباح مظلم = إيقاع حيوي مرتبك: الإشكال الأكبر الذي يردده المغاربة عمليًا هو “قساوة الصباح” في أشهر الشتاء، خصوصًا للتلاميذ والعمال الذين يخرجون قبل شروق الشمس. من منظور علم النوم، الصباح المظلم يبطئ “إشارة الاستيقاظ” التي يرسلها الضوء إلى الساعة البيولوجية، ويجعل الاستيقاظ أصعب، ويرفع قابلية النعاس والتوتر. هذه الفكرة تتقاطع مع أدبيات طبية وإخبارية واسعة حول أثر اختلال التوافق بين الوقت الاجتماعي والساعة البيولوجية على النوم والمزاج والأداء.
-
حساسية الفئات الهشّة للنوم: المصابون بالأرق، والعمال بنظام المناوبات، وبعض المراهقين (الذين يتأخر طور نومهم طبيعيًا) قد يدفعون “ضريبة” أكبر؛ لأنهم يحتاجون ضوء الصباح لتثبيت الإيقاع اليومي.
خلاصة سيكولوجية عملية: غرينتش+1 “يُحسن مساءاتٍ كثيرة”، لكنه قد “يُقسي صباحات الشتاء”، والربح أو الخسارة يتفاوتان حسب العمر ونمط العمل والمسافة إلى المدرسة/الوظيفة.
2) البعد الاجتماعي: الأسرة، المدرسة، السلامة، ونمط المدينة
أ) مكاسب اجتماعية
-
مساء اجتماعي أطول: ساعة إضافية من الضوء بعد العمل تعني وقتًا أكبر للتسوق، زيارة الأقارب، ممارسة الرياضة، ومرافقة الأطفال للأنشطة. في المدن، هذا قد يعزز الحياة العامة ويؤخر “الانطفاء الاجتماعي” الذي كان يبدأ باكرًا مع الغروب في الشتاء تحت غرينتش.
-
تحسين بعض مؤشرات الأمان الحضري مساءً: الإنارة الطبيعية الأطول قد تقلل الحاجة للتنقل في ظلام مبكر، خصوصًا للنساء والطلبة في أوقات العودة.
ب) كُلف اجتماعية
-
التلميذ في قلب العاصفة: النقاش الاجتماعي في المغرب غالبًا ما يتخذ من “التلميذ” محورًا: خروج في ظلام، برودة صباحية، نعاس في الحصة الأولى، وتوتر داخل الأسرة بسبب الاستيقاظ المبكر. هذا لا يُقاس فقط بالانطباع؛ بل بمنطق تربوي بسيط: طفل ينام متأخرًا (لأن مساءه مضاء وحيوي) ثم يستيقظ قبل اكتمال حاجته للنوم.
-
سلامة الطرق صباحًا: عندما تتزامن حركة الذهاب إلى المدارس والعمل مع ظلام أو شبه ظلام، تزداد المخاطر: رؤية أقل، تداخل عبور الراجلين مع حركة النقل. حتى لو لم نُسقِط نتائج دول أخرى حرفيًا على المغرب، فالأدبيات العالمية تربط اختلال النوم والتوقيت بتراجع الانتباه وارتفاع أخطار الحوادث في فترات الانتقال أو الحرمان من النوم.
-
رمضان كاستثناء اجتماعي-ديني: الدولة تعود إلى غرينتش خلال رمضان لتقريب الإيقاع اليومي من خصوصية الصيام والسهر والصلوات، ثم تعود إلى غرينتش+1 بعده. هذا الاستثناء نفسه اعتراف بأن “زمن المجتمع” ليس تقنيًا فقط.
3) البعد الاقتصادي: وقت الأعمال، الجاذبية الاستثمارية، وكلفة “النعاس”
أ) مكاسب اقتصادية واضحة
-
تقارب أكبر مع أوروبا: أحد أكثر المبررات تكرارًا هو جعل ساعات العمل المغربية أقرب إلى الشركاء الأوروبيين (خصوصًا فرنسا وإسبانيا وباقي فضاء غرب أوروبا). هذا التقارب يسهّل الاجتماعات الفورية، سلاسة سلاسل الخدمات، وتقليص “زمن الانتظار” في المعاملات العابرة للحدود.
-
دعم قطاعات الخدمات العابرة للحدود (النداء/الترحيل/التعهيد): مواقع وشركات تروّج للمغرب كوجهة “nearshore” تضع التطابق الزمني مع أوروبا في قلب الميزة التنافسية، لأنه يقلل كلفة التشغيل ويزيد سرعة الاستجابة للزبون الأوروبي خلال نفس يوم العمل. (هذه مصادر ذات طابع تسويقي، لكنها تعكس منطقًا اقتصاديًا معروفًا في صناعة الخدمات).
-
تنشيط التجارة الداخلية مساءً: ساعة الضوء الإضافية بعد العصر قد ترفع حركة الأسواق والمراكز التجارية بعد خروج الموظفين، ما يعني فرصة مبيعات أكبر في بعض المواسم.
ب) كُلف اقتصادية غير مباشرة
-
إنتاجية الصباح: إذا كانت شريحة معتبرة تصل إلى العمل/الدراسة وهي في “نصف يقظة” خلال الشتاء، فهناك كلفة إنتاجية خفية: بطء في الانطلاق، أخطاء أكثر، توتر أكبر. الأدبيات العامة حول اضطراب النوم والإيقاع اليومي تربط الحرمان من النوم بانخفاض الأداء وارتفاع الأخطاء.
-
تعقيد رمضان لوجستيًا: العودة إلى غرينتش في رمضان ثم الرجوع إلى غرينتش+1 تتطلب تحديثات في الأنظمة (مواعيد، رحلات، اجتماعات دولية، منصات رقمية)، وتفتح هامش “خطأ ساعة” في مواعيد حساسة. حتى الدلائل الرسمية للأعمال تنبّه إلى ضرورة الانتباه لمواعيد رمضان لأن المغرب “عادةً” يرجع إلى غرينتش خلاله.
4) علاقة المغرب بالعالم الخارجي: الدبلوماسية العملية و”لغة الوقت”
أ) ما الذي يربحه المغرب خارجيًا؟
-
لغة زمن مشتركة مع محيطه الاقتصادي الأقرب: أوروبا ليست مجرد شريك تجاري؛ إنها شريك زمن أيضًا. كلما تقاربت ساعات العمل، تراجعت كلفة التنسيق، وتسارعت وتيرة القرارات، وهذا مهم للاستثمار، السياحة، والخدمات الرقمية.
-
صورة “الاستقرار الزمني”: الاعتماد شبه الدائم لغرينتش+1 (مع استثناء معروف سلفًا) يعطي نوعًا من القابلية للتوقع، مقارنة بفوضى بلدان تغيّر مرتين سنويًا مع ارتباك عالمي متكرر.
ب) وما الذي يخسره أو يتعقد؟
-
التعامل مع مناطق زمنية متعددة في نفس الموسم: حين تكون أوروبا على توقيتها الصيفي/الشتوي، ومع استثناء رمضان في المغرب، قد تتبدل فروق الساعات بين المغرب ودول بعينها خلال السنة. هذا ليس “مشكلة كبرى”، لكنه مصدر ارتباك دائم للمواعيد العابرة للحدود، خصوصًا في الطيران والاجتماعات الدولية. إعلانات الرجوع المؤقت إلى غرينتش في رمضان (مثل قرار 15 فبراير 2026 ثم العودة في 22 مارس 2026) تُظهر حجم الحاجة للتواصل العمومي الدقيق.
خلاصة مركّبة: حل واحد لا يناسب الجميع
توقيت غرينتش+1 في المغرب منذ 2018 يمكن قراءته كـتسوية بين اقتصاد يريد الاندماج بسلاسة في زمن أوروبا، ومجتمع يتأثر نفسيًا وتربويًا بظلمة الصباح في الشتاء. مكاسبه تبدو أوضح في التنسيق الاقتصادي والخدمات العابرة للحدود، بينما كلفته الأوضح تمس التلميذ والأسرة وإيقاع النوم شتاءً. والاستثناء الرمضاني يظل إقرارًا عمليًا بأن “الساعة” ليست قرارًا تقنيًا فقط، بل قرارٌ يمسّ نمط العيش والوجدان.
إذا رغبت، أستطيع أن أضيف في رسالة لاحقة اقتراحات تخفيف الأثر (على مستوى المدرسة/الإدارة/الأسر) دون تغيير السياسة الزمنية نفسها، اعتمادًا على توصيات خبراء النوم المتعلقة بتوقيت النوم، ضوء الصباح، وتقليل شاشات الليل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق