الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 24، 2026

من معيدي لسنوات السبعينات: عبده حقي

 


أجلسُ الآنَ في آخرِ العمرِ، وأفتحُ نافذةً سرِّيَّةً في قلبي، فتدخلُ السبعيناتُ كما كانت: شمسًا خفيفةً، وشَعْرًا كثيفًا، وقميصًا بلونِ الحلم.

أعودُ إلى تلكَ الصورةِ كأنني أعودُ إلى مرآةٍ لا تُكذِّبُني، فأرى شابًّا يبتسمُ للعالمِ بعينينِ لا تعرفانِ الخيبة، ويحتضنُ غيتارًا كأنه يحتضنُ مصيرَه.

كنتُ أنا.
كنتُ أجلسُ على صخرةٍ صغيرةٍ، وخلفي سياجٌ من أوراقٍ خضراء، وأمامي سماءٌ مفتوحةٌ على كلِّ الاحتمالات.
لم أكن أعرفُ يومها أن الزمنَ لصٌّ أنيق، يسرقُ الأعمارَ دون أن يُحدِثَ ضجيجًا.

كنتُ أعزفُ ولا أفكِّرُ في الشهرة،
أغنِّي ولا أفكِّرُ في الجمهور،
أبتسمُ لأن قلبي كان خفيفًا كطائرٍ خرجَ لتوِّه من قفصِ الطفولة.

يا لبراءةِ ذلك الوجه!
يا لثقةِ الأصابعِ وهي تمشي على الأوتارِ كأنها تمشي على طريقٍ معبَّدٍ باليقين.
كنتُ أظنُّ أن الموسيقى وحدها تكفي كي تُصلِحَ العالم،
وأن الأغنيةَ إذا صدقت،
قادرةٌ على أن تُطفئَ حربًا،
أو تُعيدَ عاشقينِ إلى بعضِهما.

في تلك السنواتِ،
كان الهواءُ أقلَّ تلوُّثًا بالخوف،
وكان الحلمُ أكبرَ من الشكِّ،
وكانت المدينةُ تفتحُ لي أبوابَها كأنني ابنُها المدلَّل.

أتذكَّرُ حذائي الأبيض،
وسروالي الداكن،
وذلك القميصَ الذي اشتراه لي أبي في عيدٍ صغير،
كأنني أتذكَّرُ أوسمةً علَّقتها الحياةُ على صدري دون أن أدري.

كنتُ أعزفُ للحبيبةِ التي لم تكن تعلمُ أنني أكتبُ اسمَها سرًّا في كلِّ لحن.
أعزفُ لأصدقائي،
للمقاهي،
للغروبِ الذي كان يجلسُ بقربي ليستمع.

وكنتُ أظنُّ أنني سأبقى هكذا إلى الأبد:
شابًّا،
ممتلئًا بالوعد،
محاطًا بأوراقٍ خضراء لا تعرفُ الذبول.

لكنَّ السبعيناتِ رحلتْ كما ترحلُ الأغنيةُ بعد آخرِ وترٍ.
تفرَّقَ الأصدقاءُ في جهاتِ الأرض،
تبدَّلتِ المدنُ،
وصار الغيتارُ في زاويةِ البيتِ ينتظرُ أصابعي كما ينتظرُ العاشقُ رسالةً لن تصل.

كلما نظرتُ إلى تلك الصورةِ،
أشعرُ أنني أزورُ قبري الأول،
قبرَ البراءة،
قبرَ الثقةِ المطلقةِ في المستقبل.

غير أنني لا أحزن.
فذلك الشابُّ الذي في الصورةِ لم يمت.
هو يسكنُني كلما ابتسمتُ بلا سبب،
كلما سمعتُ أغنيةً قديمةً،
كلما صدَّقتُ أن في القلبِ متَّسعًا لحلمٍ جديد.

أقولُ له من هنا، من شيبي الهادئ:
شكرًا لأنك كنتَ أنا.
شكرًا لأنك لم تخفْ من الحياة،
ولأنك حملتَ الغيتارَ كما يحملُ الفارسُ سيفَه،
مؤمنًا أن اللحنَ يمكنُ أن يكونَ مقاومة.

يا معيدي لسنواتِ السبعينات،
يا ظلي الخفيفَ في شمسِ الشباب،
تعالَ واجلسْ بجانبي الآن.
أعطني ابتسامتَك،
وأُعطيكَ حكمةَ التعب.

فلعلَّنا معًا
نكتبُ أغنيةً أخيرة،
تجمعُ بين رعشةِ البدايات
وطمأنينةِ النهايات.


0 التعليقات: