الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 25، 2026

المغرب بين رهانات 2030 وإعادة ترتيب النفوذ الأوروبي: عبده حقي

 


في الأسبوع الماضي بدا المشهد الأوروبي، من شماله إلى جنوبه، كأنه ينسج خيوطًا دقيقة حول موقع المغرب في خريطة التحولات الكبرى. لم تكن الأخبار صاخبة على نحو استثنائي، لكن تحت السطح كانت تتشكل اتجاهات عميقة تمس جوهر المصالح المغربية: الصحراء، الهجرة، الطاقة، وصورة البلاد وهي تستعد لرهانات دولية كبرى في أفق 2030.

في ألمانيا، تحركت لغة الشراكة بهدوء براغماتي معروف عن برلين. النقاشات التي دارت في الأوساط السياسية والاقتصادية لم تخرج عن ثلاثية الطاقة الخضراء، الهيدروجين، وربط الأسواق. غير أن خلف هذا الخطاب التقني تختبئ دلالة سياسية واضحة: المغرب لم يعد يُنظر إليه كمجرد شريك في جنوب المتوسط، بل كقطب انتقالي في معادلة الطاقة الأوروبية. في زمن القلق الطاقي، يصبح الرباط رقماً في حسابات الأمن الاستراتيجي الألماني، وتتحول الاستثمارات المشتركة إلى جسر ثقة سياسي طويل الأمد.

أما في إسبانيا، فقد ظل ملف الصحراء المغربية الحاضر الأكبر، وإن بصيغة أقل انفعالاً مما كان عليه قبل سنوات. الحديث عن مدريد كمنصة لإحياء دينامية الحوار أعاد التأكيد على أن التحول في الموقف الإسباني لم يكن عابراً. داخل البرلمان الإسباني ظهرت محاولات لإعادة فتح النقاش حول الاتفاقيات الأوروبية–المغربية، غير أن التوازنات السياسية الحالية مالت إلى تثبيت مسار الشراكة. بالنسبة للمغرب، هذا الصمود المؤسسي أهم من أي خطاب إعلامي، لأنه يؤكد أن التقارب لم يعد رهين حكومة بعينها، بل أصبح خيار دولة.

في البرتغال، برزت زاوية مختلفة: مونديال 2030. التنسيق الثلاثي بين الرباط ومدريد ولشبونة يتجاوز الملاعب إلى رهانات البنية التحتية والسياحة والاستثمار. لكن الأسبوع الماضي كشف أيضاً أن الأحداث الرياضية الكبرى تحمل معها حساسيات غير متوقعة. الجدل الإعلامي حول قضايا مرتبطة بصورة المدن والتنظيم أعاد التذكير بأن السياسة الحديثة تُدار بقدر ما تُدار في البرلمانات تُدار كذلك في فضاءات الرأي العام العالمي. البرتغال تدرك أن نجاح 2030 ليس مجرد احتفال رياضي، بل اختبار لصورة جماعية مشتركة.

في المملكة المتحدة، استمرت مفاعيل الحوار الاستراتيجي الذي أطلق في السنوات الأخيرة. بريطانيا، الخارجة من عباءة الاتحاد الأوروبي، تبحث عن شركاء موثوقين في إدارة ملفات الهجرة والأمن وسلاسل التوريد. المغرب حاضر في هذا السياق كشريك عملي، لا كشعار دبلوماسي. النقاشات البريطانية حول الحدود والهجرة غير النظامية غالباً ما تذكر التعاون مع الرباط كنموذج للتنسيق الميداني، وهو ما يمنح المغرب موقعاً تفاوضياً متقدماً في قضايا تتجاوز البعد الثنائي.

أما إيطاليا، فقد بدت خلال الأسبوع الماضي مشغولة بإعادة رسم علاقتها بالقارة الأفريقية عبر خطط تنموية واستثمارية جديدة. هذه المقاربة تهم المغرب مباشرة، لأن أي إعادة تموقع أوروبي في أفريقيا تعيد ترتيب موازين النفوذ في المتوسط. روما تنظر إلى الرباط كبوابة طبيعية نحو عمق أفريقي أوسع، خصوصاً في مجالات الطاقة والبنية التحتية. في هذا السياق، يصبح المغرب شريكاً في معادلة متوسطية–أفريقية، لا مجرد متلقٍ لمبادرات أوروبية.

في بلجيكا، تتداخل الدولة الوطنية مع بعدها الأوروبي، إذ أن بروكسل هي أيضاً عاصمة الاتحاد الأوروبي. الأسبوع الماضي شهد تأكيدات متجددة على أن الشراكة مع المغرب ثابتة ومحمية سياسياً داخل المؤسسات الأوروبية. هذا المعطى مهم في ظل التعقيدات القانونية التي طالت بعض الاتفاقيات التجارية. الرسالة التي خرجت من بروكسل مفادها أن الخلافات التقنية لا تمس جوهر التعاون، وأن الإطار الأممي يظل المرجعية في ملف الصحراء. بالنسبة للمغرب، هذا بمثابة شبكة أمان دبلوماسية في فضاء أوروبي يتسم بتعدد الأصوات.

في فرنسا، عاد الحديث بقوة عن إعادة صياغة العلاقة الثنائية في قالب تعاقدي جديد. فكرة معاهدة صداقة مُحدّثة ليست مجرد عنوان دبلوماسي؛ إنها محاولة لتجاوز التذبذبات التي طبعت العلاقة في السنوات الأخيرة. باريس تدرك أن علاقتها بالمغرب ليست ملفاً عادياً، بل ركيزة من ركائز حضورها في المتوسط وأفريقيا. والرباط، من جهتها، تسعى إلى تثبيت هذه العلاقة على أسس واضحة تضمن الاستمرارية بعيداً عن التقلبات السياسية الداخلية في فرنسا.

أما هولندا، فقد ظل حضورها أقل صخباً، لكنه لم يغب عن مشهد النقاشات الأوروبية حول الهجرة والتعاون القضائي. في لاهاي، يُنظر إلى المغرب كشريك أمني مهم، خاصة في قضايا مكافحة الجريمة المنظمة وتبادل المعلومات. ورغم أن الأخبار لم تحمل قرارات كبرى، فإن استمرار قنوات الحوار يعكس رغبة مشتركة في إبقاء الملفات الحساسة تحت سقف التنسيق.

إذا تأملنا الصورة كاملة، نجد أن الأسبوع الماضي لم يكن أسبوع قرارات درامية، بل أسبوع تثبيت مواقع. ألمانيا تعمّق الشراكة الطاقية، إسبانيا تحافظ على مسار سياسي حساس، البرتغال تنسج خيوط 2030، المملكة المتحدة تفعّل منطق الشراكة الاستراتيجية، إيطاليا تعيد تموضعها أفريقياً، بلجيكا وأروقة الاتحاد الأوروبي تؤكدان الثبات المؤسسي، فرنسا تبحث عن عقد جديد، وهولندا تواصل التنسيق الأمني.

في كل هذه العواصم، المغرب ليس موضوعاً عابراً في نشرات الأخبار، بل جزء من معادلة أوروبية أكبر تعيد تعريف نفسها. السياسة، كما تبدو من هذا الأسبوع، لا تُصاغ فقط في البيانات الرسمية، بل في تراكم الاتجاهات الصغيرة التي تتحول بمرور الوقت إلى تحولات كبرى. والمغرب، في قلب هذه الدوائر، يراهن على أن يكون فاعلاً لا متلقياً، شريكاً لا هامشاً، رقماً صعباً في معادلة متوسطية تتشكل بهدوء ولكن بثبات.


0 التعليقات: