الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 10، 2026

أَدَبٌ رَقْمِيٌّ يَكْتُبُ خَرِيطَتَهُ الْجَدِيدَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ وَإِفْرِيقِيَا: إعداد عبده حقي

 


يَدْخُلُ الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ، فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ، مَرْحَلَةً أَكْثَرَ سُرْعَةً وَأَكْثَرَ تَرْكِيبًا: لَيْسَ وَحْدَهُ النَّصُّ هُوَ الَّذِي يَتَحَرَّكُ، إِنَّمَا تَتَحَرَّكُ مَعَهُ أَشْكَالُ النَّشْرِ، وَتَتَغَيَّرُ عَادَاتُ الْقِرَاءَةِ، وَتَتَّسِعُ مِسَاحَاتُ التَّلَقِّي لِتُصْبِحَ تَجْرِبَةً تَفَاعُلِيَّةً تَسْتَعْمِلُ الصَّوْتَ وَالصُّورَةَ وَالْخَرِيطَةَ وَالرَّابِطَ وَحَتَّى الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ كَأَدَاةٍ لِلِاقْتِرَاحِ وَالتَّوْلِيدِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَبْدُو الْمَغْرِبُ وَالْمَشْهَدُ الْعَرَبِيُّ وَإِفْرِيقِيَا كَثَلَاثَةِ مَجَالَاتٍ تَتَقَاطَعُ فِيهَا “حَرَكَةُ الْمَخْتَبَرِ” مَعَ “حَرَكَةِ السُّوقِ” وَمَعَ “حَرَكَةِ الْمُؤَسَّسَةِ”.

فِي الْمَغْرِبِ، يَظْهَرُ الْجَدِيدُ أَوَّلًا فِي طَرِيقَةِ تَنْظِيمِ الدَّعْمِ وَالتَّدْبِيرِ: فَالْقِطَاعُ الْحُكُومِيُّ يَدْفَعُ فِي اتِّجَاهِ تَرْقِيمِ الْمَسَاطِرِ وَتَعْمِيمِ الْمَنْصَّاتِ فِي مَلَفَّاتِ الْكِتَابِ وَالنَّشْرِ، وَهٰذَا يَنْعَكِسُ عَلَى الْكُتَّابِ وَدُورِ النَّشْرِ الَّتِي صَارَتْ تُجَهِّزُ مَلَفَّاتِهَا وَتَصْرِفُ جُزْءًا مِنْ طَاقَتِهَا فِي “إِتْقَانِ الْمَسَارِ الرَّقْمِيِّ” قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى طَبَاعَةِ النُّسْخَةِ أَوْ تَسْوِيقِهَا. وَفِي الْخَلْفِيَّةِ، تَعْمَلُ الْمَنْصَّاتُ الْمَغْرِبِيَّةُ الْمُوَجَّهَةُ لِلتَّكْوِينِ وَالْوَرْشَاتِ عَلَى تَزْوِيدِ الْمُهْتَمِّينَ بِمَعَارِفَ تَطْبِيقِيَّةٍ فِي صِنَاعَةِ الْمُحْتَوَى وَالسَّرْدِ وَالتَّصَمُّمِ وَالْحِكَايَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ، فَتُصْبِحُ فِكْرَةُ “الْكَاتِبِ-الْمُصَمِّمِ” أَكْثَرَ حُضُورًا فِي الْمَشْهَدِ.

وَيَتَعَزَّزُ هٰذَا الْمَسَارُ بِمَبَادَرَاتٍ تَرْبِطُ الْمَغْرِبَ بِقَارَّتِهِ: فَبَرَامِجُ تَكْوِينِ رُوَاةٍ شَبَابٍ مِنْ إِفْرِيقِيَا تَخْتَارُ الْمَغْرِبَ مَحَطَّةً لِمَخَابِرَ إِبْدَاعِيَّةٍ تَمْزُجُ الثَّقَافَةَ الرَّقْمِيَّةَ بِالسَّرْدِ وَالْمِهَارَاتِ الْبَصَرِيَّةِ، وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ “الْمَكَانَ” لَمْ يَعُدْ جُغْرَافْيَا فَقَطْ، إِنَّمَا صَارَ بِنْيَةً لِتَبَادُلِ النَّمَاذِجِ وَتَلَاقُحِ التَّقْنِيَّاتِ. وَفِي الْمُدُنِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْكُبْرَى، يَبْرُزُ اتِّجَاهٌ نَحْوَ دَمْجِ “الْإِنْسَانِيَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ” فِي الدِّرَاسَاتِ الأَدَبِيَّةِ وَالتَّرْجَمَةِ، حَيْثُ تَتَقَدَّمُ أَسْئِلَةُ الأَرْشَفَةِ وَالتَّحْقِيقِ الرَّقْمِيِّ وَتَحْلِيلِ الْمُتُونِ وَتَعَلُّمِ الآلَةِ إِلَى صَدْرِ النِّقَاشِ الأَكَادِيمِيِّ، وَهُوَ نِقَاشٌ يَنْتَقِلُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ قَاعَةِ الدَّرْسِ إِلَى حَيِّزِ النَّشْرِ وَالْمُبَادَرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ.

أَمَّا فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ، فَالصُّورَةُ أَكْثَرُ تَعَدُّدًا: هُنَاكَ “مُؤَسَّسَةُ الْمَعْرِضِ” الَّتِي تَسْتَعِيرُ مَنْطِقَ الْمَنْصَّةِ، وَهُنَاكَ “مُؤَسَّسَةُ الْمَعْرِفَةِ” الَّتِي تُحَاوِلُ وَضْعَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي إِطَارٍ أَخْلَاقِيٍّ وَثَقَافِيٍّ. فَمِثْلًا، تُوَاصِلُ بَعْضُ مَعَارِضِ الْكِتَابِ تَطْوِيرَ “بَوَّابَاتٍ رَقْمِيَّةٍ” تُقَدِّمُ خَرَائِطَ تَفَاعُلِيَّةً وَأَدِلَّةَ زُوَّارٍ وَتَنْظِيمًا أَفْضَلَ لِلْفَعَالِيَّاتِ، وَيَنْتُجُ عَنْ ذٰلِكَ تَحَوُّلٌ خَفِيٌّ: الزَّائِرُ لَا يَذْهَبُ لِيَبْحَثَ عَنْ كِتَابٍ فَقَطْ، إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ دَاخِلَ “تَجْرِبَةٍ” لَهَا وَاجِهَةٌ وَمَسَارٌ وَمَحَطَّاتٌ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، تُنَاقَشُ فِي بَعْضِ الْمُنْتَدَيَاتِ قَضَايَا الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ وَالثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ: مَا حُدُودُ التَّوْلِيدِ؟ مَا مَصِيرُ حُقُوقِ الْمُؤَلِّفِ؟ كَيْفَ نَحْمِي الْمَعْنَى مِنَ الِاسْتِنْسَاخِ وَالِاسْتِهْلَاكِ السَّرِيعِ؟ وَهٰذِهِ أَسْئِلَةٌ تُغَذِّي ظَاهِرَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: ظَاهِرَةَ تَوَسُّعِ “النَّشْرِ الرَّقْمِيِّ” وَظَاهِرَةَ رَغْبَةِ الْقُرَّاءِ فِي “نَصٍّ يَشْعُرُونَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ حَيَاةٍ” لَا عَنْ مُجَرَّدِ خَوَارِزْمِيَّةٍ.

وَفِي إِفْرِيقِيَا، يَأْخُذُ الْخَبَرُ شَكْلًا مِهْنِيًّا وَصِنَاعِيًّا: قَارَّةٌ تَكْتُبُ سَرْدَهَا بِأَدَوَاتٍ جَدِيدَةٍ، وَتُجَرِّبُ قَنَوَاتٍ تُوَاصِلُ بِهَا الْوُصُولَ إِلَى الْقُرَّاءِ دَاخِلَ الْقَارَّةِ وَخَارِجَهَا. فَمَهْرَجَانَاتُ الأَدَبِ الَّتِي تَحْتَفِي بِالذَّاكِرَةِ وَالْهُوِيَّةِ تَضَعُ “التَّحَوُّلَ الرَّقْمِيَّ فِي النَّشْرِ” ضِمْنَ نِقَاشَاتِهَا، وَتَرْبِطُ سُؤَالَ التَّوْزِيعِ وَالتَّمْوِيلِ وَالشَّرَاكَاتِ بِمُسْتَقْبَلِ الْكِتَابِ الْإِفْرِيقِيِّ. وَفِي اتِّجَاهٍ مَوَازٍ، تَتَقَدَّمُ صِيغٌ مِثْلُ “الْكِتَابِ الصَّوْتِيِّ” وَالتَّوْزِيعِ عَبْرَ الْمَنْصَّاتِ كَحَلٍّ عَمَلِيٍّ لِتَجَاوُزِ عَقَبَاتِ الطِّبَاعَةِ وَالشَّحْنِ، وَتَفْتَحُ تَدْرِيبَاتٌ مُتَخَصِّصَةٌ فِي النَّشْرِ الصَّوْتِيِّ بَابًا جَدِيدًا أَمَامَ تَحْوِيلِ الْقِصَصِ الْإِفْرِيقِيَّةِ إِلَى مُنْتَجٍ رَقْمِيٍّ قَابِلٍ لِلِانْتِشَارِ. وَهُنَا يَبْدُو أَنَّ الْأَدَبَ الرَّقْمِيَّ فِي إِفْرِيقِيَا لَا يَكْتَفِي بِالتَّجْرِيبِ الْجَمَالِيِّ، إِنَّمَا يَحْمِلُ هَمًّا تَوَاصُلِيًّا وَتَعْلِيمِيًّا وَتِجَارِيًّا: أَنْ تَبْقَى الْقِصَّةُ حَيَّةً فِي سُوقٍ يَتَغَيَّرُ وَفِي عَالَمٍ يَسْتَهْلِكُ بِسُرْعَةٍ.

خُلَاصَةُ الْيَوْمِ أَنَّ “الْجَدِيدَ” فِي الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ لَيْسَ خَبَرًا وَاحِدًا، إِنَّهُ مَوْجَةٌ مُتَعَدِّدَةُ الْمَصَادِرِ: فِي الْمَغْرِبِ تَتَقَوَّى بِنْيَةُ التَّدْبِيرِ وَالتَّكْوِينِ وَالْوَصْلِ الْقَارِّيِّ، وَفِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ تَتَقَدَّمُ “مَعَارِضُ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَنْصَّاتٍ” وَ“نِقَاشَاتُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ تَمَسُّ مِهْنَةَ الْكِتَابَةِ”، وَفِي إِفْرِيقِيَا يَبْرُزُ مَسَارٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْهُوِيَّةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالْوُصُولِ الرَّقْمِيِّ. وَبَيْنَ هٰذِهِ الْمَجَالَاتِ الثَّلَاثَةِ، تَتَشَكَّلُ صِيغَةٌ جَدِيدَةٌ لِلْكَاتِبِ وَلِلنَّصِّ وَلِلْقَارِئِ: كِتَابَةٌ تُفَكِّرُ فِي الصَّفْحَةِ وَفِي الشَّاشَةِ مَعًا، وَتَعْرِفُ أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ وَرَقًا خَالِصًا وَلَا رَقْمًا خَالِصًا، إِنَّهُ تَوَازُنٌ دَقِيقٌ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالأَدَاةِ.


0 التعليقات: