الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 13، 2026

خريطة الكتاب العربي بين المنصات الثقافية ودور النشر الكبرى


 يشهد المشهد الثقافي العربي في الأسابيع الأخيرة حراكاً ملحوظاً في مجال الإصدارات الجديدة، حيث تتقاطع أخبار الكتب بين المنصات الصحافية الثقافية المتخصصة مثل موقع الضفة الثالثة وملف الكتب في القدس العربي، وبين إعلانات دور النشر العريقة كـدار الساقي ودار الآداب. ويكشف هذا التوازي عن ملامح مرحلة جديدة في صناعة الكتاب العربي: مرحلة لم تعد فيها الدار وحدها مركز الخبر، ولا الصحيفة وحدها حارس الذائقة، بل صارت الشبكة الثقافية بكاملها منظومة متكاملة تنتج المعنى وتعيد توزيع القيمة الأدبية.

في زاوية «صدر حديثاً» بموقع الضفة الثالثة تتدفق العناوين بوتيرة شبه يومية، فيبدو الموقع أقرب إلى جهاز رصد لنبض القراءة العربية. خلال الأيام الأخيرة ظهرت أعمال تتراوح بين الرواية والبحث الفكري والمجلات الثقافية، من بينها رواية «جنين في جنين» للكاتب الفلسطيني نسيم قبها، إضافة إلى كتب فكرية مثل دراسة حول التشريعات الدولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب أعداد جديدة من مجلات فكرية وثقافية عربية معاصرة . هذا التنوع يشي بأن الرواية لم تعد وحدها واجهة السوق، بل أصبحت جزءاً من منظومة معرفية أوسع تتجاور فيها السياسة والفلسفة والتكنولوجيا مع السرد.

اللافت أن موقع الضفة الثالثة لا يكتفي بعرض الكتب، بل يقدم قراءة ضمنية لمزاج الكتابة العربية المعاصرة؛ فالإصدارات الجديدة تعكس اهتماماً واضحاً بالذاكرة الجماعية، والحروب، والهجرة، والهوية الرقمية، وهو ما يمكن اعتباره انتقالاً من الأدب التأملي الفردي إلى أدب الجماعات والتاريخ المعاصر. ويشير تتبع ما ينشره الموقع إلى بروز ثلاث نزعات بارزة: سرد الواقع السياسي، والعودة إلى الأرشيف الشخصي، والانفتاح على الفكر العالمي عبر الترجمة .

في المقابل، يواصل ملحق الكتب في القدس العربي أداء دوره التقليدي كجسر بين الخبر والتحليل، إذ لا يكتفي بتقديم الإصدارات بل يضعها ضمن سياقها الثقافي. فالأعمال الجديدة تُقرأ بوصفها جزءاً من تحولات كبرى في المخيلة العربية، حيث تتجاور الروايات التي تعيد كتابة المدن المدمرة مع الدراسات التي تبحث في أثر التكنولوجيا على الإنسان العربي. هكذا يتحول الكتاب من حدث ثقافي معزول إلى علامة على التحول الاجتماعي.

أما دور النشر الكبرى، فتبدو كأنها تعيد صياغة دورها في العصر الرقمي. فدار الساقي، التي تأسست في لندن ثم امتد نشاطها عربياً، تواصل نشر الأدب والفكر والترجمات وأدب الطفل، وقد قدمت عبر تاريخها أصواتاً عربية بارزة في الفلسفة والرواية . وفي إصداراتها الحديثة يظهر ميل واضح إلى الكتب الفكرية المرتبطة بالهوية والسياسة والذاكرة الفلسطينية، ومنها طبعات حديثة لأعمال إدوارد سعيد المعروضة في معارض الكتب العربية . كما أعلنت الدار استمرار دعم الأصوات الجديدة عبر جوائزها الأدبية رغم صرامة معايير الاختيار .

المهم هنا أن دار الساقي لم تعد مجرد ناشر، بل أصبحت منصة فكرية تواكب النقاشات الكبرى حول الشرق الأوسط والثقافة العربية، وتعمل في الوقت نفسه على إتاحة كتبها رقمياً عبر منصات القراءة الإلكترونية . هذا التوجه يؤكد أن النشر العربي دخل مرحلة مزدوجة: الورقي بوصفه ذاكرة، والرقمي بوصفه انتشاراً.

دار الآداب، من جهتها، تواصل حضورها التاريخي بوصفها إحدى أقدم دور النشر العربية منذ تأسيسها في بيروت سنة 1956 . قوائمها الجديدة تكشف وفرة في العناوين الروائية والنصوص السيرية وأدب السجون، مع أعمال مثل «ذاكرة النقصان» و«دمشق الجديدة» و«عد إلى البيت يا خليل» وغيرها . هنا يتضح أن الدار تحافظ على تقليدها في احتضان الرواية العربية الواقعية ذات البعد السياسي والإنساني، وهي السمة التي صنعت هويتها منذ عقود.

الملحوظ أن دار الآداب تراهن على الرواية بوصفها وثيقة زمنية، بينما تراهن دار الساقي على الكتاب الفكري والترجمي، في حين يقوم الإعلام الثقافي ــ ممثلاً في الضفة الثالثة والقدس العربي ــ بترتيب هذا المشهد وتأويله. بذلك يتشكل مثلث ثقافي: الناشر ينتج، والصحافة تفسر، والقارئ يختار موقعه داخل الخريطة.

في المغرب تحديداً، ينعكس هذا الحراك العربي بسرعة أكبر بسبب توسع القراءة الرقمية وتنامي حضور المنصات الثقافية. فالقارئ المغربي يتلقى الإصدارات العربية في اللحظة نفسها التي تصدر فيها في بيروت أو لندن، ولم يعد معرض الكتاب المحلي وحده بوابة المعرفة. والنتيجة أن الأدب العربي بات يعيش زمناً متزامناً لا مركز فيه، حيث تتجاور الرباط وبيروت والقاهرة على شاشة واحدة.

تكشف الإصدارات الجديدة أيضاً تحوّلاً في موضوعات الكتابة: حضور قوي لفلسطين، وعودة لموضوع المنفى، وصعود واضح للأدب المرتبط بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تجدد أدب المدن والذاكرة. هذه الاتجاهات ليست مجرد موضة، بل تعبير عن وعي عربي يعيش بين التاريخ والرقمية، بين الحرب والهوية الافتراضية.

في النهاية يمكن القول إن المشهد الراهن لا تحكمه دار واحدة ولا صحيفة واحدة، بل شبكة كاملة من الفاعلين الثقافيين. فالمقال النقدي في صحيفة عربية، والإعلان الصغير في موقع ثقافي، وغلاف كتاب في دار نشر، كلها أجزاء من نص واحد كبير هو نص الثقافة العربية المعاصرة. النص الذي يكتب الآن أمام أعيننا، لا في مكتب الكاتب فقط، بل في الفضاء المشترك بين القارئ والمنصة والناشر.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صدور كتب جديدة، بل إعادة تشكيل معنى الكتاب ذاته: من أثر مطبوع إلى حدث ثقافي متواصل، ومن سلعة ثقافية إلى حوار مفتوح بين العواصم العربية. وهكذا يصبح الخبر الثقافي في أيامنا مرآة لتحول أعمق، تحول يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ والعالم.


0 التعليقات: