الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 13، 2026

الكتاب العربي يغادر الورق إلى فضاء الخوارزميات: إعداد عبده حقي

 


يشهد مجال الكتاب الإلكتروني العربي في الأسابيع الأخيرة حركية متسارعة تكشف تحوّلاً عميقاً في بنية صناعة النشر، ليس بوصفه انتقالاً تقنياً فحسب، بل باعتباره إعادة تعريف كاملة للعلاقة بين الكاتب والقارئ والناشر. فالمشهد لم يعد مجرد تحويل نسخة ورقية إلى ملف رقمي، بل أصبح نظاماً ثقافياً جديداً تتقاطع فيه المنصات العالمية مع المبادرات العربية والناشرين المستقلين، وتتشكل داخله ذائقة قراءة مختلفة، أقرب إلى الإيقاع السريع للحياة الرقمية.

في الأيام الأخيرة تزايد الإعلان عن إصدارات عربية رقمية جديدة تتراوح بين الروايات القصيرة واليوميات الفكرية والشهادات السياسية والكتب النقدية المكثفة، وهو ما يعكس ميلاً متصاعداً نحو النصوص المركزة التي تستجيب لقارئ لا ينتظر طويلاً أمام عمل ضخم، ويبحث عن فكرة حادة وسريعة النفاذ.
هذا التحول في الشكل يعكس تحولاً في الوعي؛ فالقارئ الرقمي لم يعد قارئ مكتبة بل قارئ شاشة، وهو قارئ يقرأ أثناء التنقل، ويستهلك المعرفة كما يستهلك الأخبار، ويعيد توزيعها عبر الشبكات الاجتماعية.

أبرز ما ميّز الأسابيع الماضية إطلاق «المكتبة العربية الرقمية» بالشراكة بين مركز أبوظبي للغة العربية ومنصة أمازون، وهي مبادرة تتيح أكثر من 38 ألف كتاب عربي حول العالم، بينها أكثر من ألف عنوان مجاني.
هذه الخطوة لا تمثل توسعاً تقنياً فحسب، بل تؤسس لأول مرة لسوق عالمي موحّد للكتاب العربي، بحيث يصبح القارئ في نيويورك أو ساو باولو أو جاكرتا قادراً على الوصول الفوري إلى الإنتاج العربي بنفس السهولة التي يصل بها إلى الكتب الإنجليزية.

كما أعلنت مؤسسات ثقافية عربية عن رقمنة مئات الكتب وتحويلها إلى صيغ رقمية وصوتية بهدف تعزيز وصول الأجيال الجديدة إلى المعرفة وتوسيع حضور الثقافة العربية عالمياً.
وتواكب ذلك مع توقيع اتفاقيات تعاون مع شركات نشر رقمية متخصصة لإتاحة آلاف الإصدارات الإلكترونية والصوتية لملايين القراء.

هذا التوسع جعل النشر الرقمي ينتقل من هامش الصناعة إلى مركزها، فالدور العربية لم تعد تتعامل مع الكتاب الإلكتروني كنسخة ثانوية، بل كمنتج أولي يسبق الورقي أحياناً.

في المغرب بدوره بدأت دور نشر صغيرة ومتوسطة تميل إلى نموذج «الإصدار السريع»، حيث تنشر النصوص القصيرة رقمياً قبل طباعتها، وتختبر تفاعل القراء عبر المنصات. هذه الاستراتيجية، التي ظهرت أولاً في المدونات الثقافية، تحولت الآن إلى سياسة تحريرية كاملة: الكتاب يولد رقمياً، ثم يكتسب شرعيته الورقية لاحقاً.

وتظهر منصات القراءة العربية كمحور أساسي في هذا التحول. منصة القراءة «أبجد» تتيح آلاف الكتب العربية وتحافظ على مجتمع قرائي يتجاوز حدود الجغرافيا، وتوفر القراءة حتى دون اتصال بالإنترنت.
وقد تحولت من تطبيق بسيط إلى شبكة أدبية تفاعلية بين القراء والناشرين، بعدما سدّت فجوة النشر الإلكتروني القانوني عبر شراكات مع دور نشر عربية عديدة.

أما مكتبة «نور» الرقمية فتقدم نموذجاً آخر يعتمد على مشاركة المؤلفين أنفسهم في نشر كتبهم إلكترونياً، حيث تضم مئات الآلاف من الكتب في مختلف المجالات وتتيح النشر المباشر للمؤلفين.
هذا النموذج يقلص سلطة الناشر التقليدي ويحوّل الكاتب إلى ناشر مستقل، وهو تحول يغير خريطة القوة داخل المجال الثقافي.

المنصات الأكاديمية كذلك دخلت المنافسة، إذ تقدم قواعد بيانات ضخمة للكتب العربية الرقمية وتضيف آلاف العناوين الجديدة باستمرار بالتعاون مع ناشرين من مختلف الدول العربية.
وهذا يفتح الباب أمام تحول الجامعات العربية من مستهلك للمحتوى إلى منتج له، عبر نشر أطروحاتها وأبحاثها مباشرة في الفضاء الرقمي.

في موازاة ذلك، يظهر نوع جديد من الناشرين: شركات إنتاج الكتب الصوتية والرقمية، التي توفر خدمات تحويل الكتاب إلى أصل رقمي متكامل، وتوزيعه عالمياً عبر الشبكات.
وهنا يتحول الكتاب إلى «ملف ثقافي متعدد الوسائط» يمكن أن يكون نصاً أو صوتاً أو تجربة تفاعلية.

ومن نتائج هذه التحولات أن الناشرين العرب أصبحوا يخططون للكتاب منذ البداية باعتباره مشروعاً رقمياً: تصميم الغلاف، طول الفصول، لغة السرد، وحتى العنوان، كلها عناصر تخضع لمنطق الشاشة لا لمنطق الرفوف.

كما بدأت مبادرات عربية لتصدير الأدب إلى السوق العالمية عبر اختيار أعمال قابلة للترجمة والتوزيع الرقمي في معارض دولية، في محاولة لخلق حضور عالمي موحد للإبداع العربي.

الملاحظة الأهم أن الكتاب الإلكتروني لم يعد مجرد حل اقتصادي لمشكلة الطباعة، بل أصبح فضاءً إبداعياً يغير شكل الكتابة نفسها. النصوص أصبحت أقصر، أكثر ذاتية، وأكثر قرباً من السيرة والاعتراف والرسالة اليومية. إنها كتابة أقرب إلى زمن الهاتف الذكي منها إلى زمن المكتبة الوطنية.

هذا التحول يفرض على دور النشر العربية مراجعة أدوارها:
لم تعد وسيطاً بين الكاتب والقارئ فقط، بل أصبحت شركة خدمات رقمية، ومديراً للحقوق الفكرية، ومسوّقاً على الشبكات، ومحللاً لبيانات القراءة.

النتيجة أن الكتاب العربي يعيش اليوم مرحلة تاريخية تشبه اختراع المطبعة، لكن الفرق أن التحول يحدث بسرعة مذهلة. فالكتاب لم يعد ينتظر قارئه في رفٍ ساكن، بل يلاحقه في هاتفه، ويقترح نفسه عليه، ويقيس زمن القراءة وعدد الصفحات المفتوحة.

إننا أمام ولادة «أدب الشاشة»، حيث لا يختفي الورق تماماً، لكنه يفقد احتكاره للشرعية الثقافية.
فالشرعية الجديدة أصبحت عدد التنزيلات، وساعات القراءة، وانتشار الاقتباسات.

وهكذا يتحول الكتاب العربي من أثر ثقافي ثابت إلى كائن رقمي متحرك، ومن نص مغلق إلى تجربة مفتوحة، ومن مكتبة محلية إلى ذاكرة كونية مشتركة.


0 التعليقات: