يُعَدّ كتاب The Digital Divide and Cultural Journalism للباحث باول بوفر محاولة فكرية لقراءة تحوّل عميق أصاب الصحافة الثقافية مع انتقالها من فضاء الورق إلى فضاء الشبكات. لا يتعامل المؤلف مع الرقمنة بوصفها مجرد وسيط تقني جديد، وإنما بوصفها بنية اجتماعية تولّد أنماطاً جديدة من المعرفة والسلطة والذائقة، وهو ما يجعل العمل قريباً من تقاليد علم اجتماع الإعلام أكثر من كونه دراسة مهنية حول الممارسة الصحفية اليومية.
ينطلق بوفر من مفهوم «الفجوة الرقمية» الذي شاع في تسعينيات القرن الماضي للدلالة على التفاوت في الوصول إلى الإنترنت، لكنه يوسّعه إلى ما يسميه فجوة ثقافية داخل المجال الرقمي نفسه. فالوصول إلى الشبكة لا يعني امتلاك القدرة على إنتاج المعنى أو المشاركة في النقاش الثقافي. هناك مستخدمون يستهلكون المحتوى بكثافة، وآخرون يملكون أدوات إنتاجه وتوجيهه. بهذه النقلة المفاهيمية يتحول الحديث من البنية التحتية إلى البنية الرمزية، ومن امتلاك الجهاز إلى امتلاك الصوت.
تتجلّى إحدى نقاط قوة الكتاب في تحليله لتبدّل وظيفة الصحفي الثقافي. في الصحافة الكلاسيكية كان الناقد وسيطاً بين العمل الفني والجمهور، يفسّر ويؤطّر ويوجه القراءة. أما في البيئة الرقمية فيتراجع هذا الاحتكار لصالح منصات تسمح لكل قارئ بأن يصبح ناقداً جزئياً عبر التعليق والتقييم والمشاركة. لا يرى بوفر في هذا التحول ديمقراطية خالصة، بل انتقالاً للسلطة من المؤسسات الثقافية إلى الخوارزميات. فالتوصيات الآلية في المنصات الكبرى تؤدي دوراً نقدياً غير معلن، إذ تحدد ما يظهر وما يختفي، وتعيد تشكيل الذوق العام بصمت.
يقترب المؤلف هنا من أفكار مانويل كاستلز حول «مجتمع الشبكات»، حيث تنتج القوة من القدرة على التحكم في تدفق المعلومات، كما يلتقي مع أطروحات بيونغ-تشول هان عن الشفافية الرقمية التي تحوّل الأفراد إلى بيانات قابلة للقياس. الصحافة الثقافية، وفق هذا المنظور، لم تعد مساحة للتأويل بقدر ما أصبحت مجالاً لإدارة الانتباه. المقال النقدي الطويل يتراجع أمام النص القصير القابل للمشاركة، والمراجعة المتأنية تُستبدل بانطباعات سريعة تضمن الانتشار.
يركز بوفر على مثال المراجعات الأدبية في المنصات الرقمية. ففي الماضي كانت صفحات الكتب في الجرائد الكبرى تُحدد مسار الروايات والشعراء. أما اليوم فالتقييم النجمي وعدد المشاهدات يؤثران في صناعة النشر أكثر من رأي ناقد محترف. يتبدّل معيار القيمة من الجودة الجمالية إلى قابلية التداول. هنا يطرح المؤلف سؤالاً ضمنياً حول مصير الثقافة العميقة داخل اقتصاد السرعة: هل تتحول الثقافة إلى محتوى أم تبقى معرفة؟
غير أن الكتاب لا يسقط في الحنين إلى الماضي، إذ يعترف بأن الفضاء الرقمي فتح المجال أمام أصوات مهمّشة تاريخياً. صحفيون شباب من أطراف العالم صاروا قادرين على مخاطبة جمهور عالمي دون المرور عبر بوابات المؤسسات الكبرى. غير أن هذا الانفتاح يظل مشروطاً بقدرة المنصات على إبراز المحتوى، أي أن الحرية الجديدة مرتبطة بخوارزمية قد تُخفي بقدر ما تُظهر. وهنا تكمن المفارقة التي يشدد عليها بوفر: التكنولوجيا توسّع المشاركة وتعيد في الوقت نفسه إنتاج اللامساواة بشكل أكثر خفاءً.
يعالج المؤلف أيضاً تحوّل العلاقة بين الصحافة الثقافية والاقتصاد. فالإعلان الرقمي يعتمد على قياس التفاعل اللحظي، ما يدفع المؤسسات الإعلامية إلى تفضيل مواد تثير ردود فعل سريعة. ينتج عن ذلك تراجع التحقيقات الثقافية الطويلة لصالح قوائم وتوصيات مختصرة. الثقافة تتحول تدريجياً إلى صناعة ترفيه معرفي سريع الاستهلاك. ويقارن بوفر بين نموذج المجلة الثقافية الورقية التي تبني جمهوراً وفياً على المدى الطويل، ونموذج المنصة الرقمية التي تطارد موجات الاهتمام اليومية.
في هذا السياق يقدّم تحليلاً لظاهرة «الصحفي-المؤثر»، حيث يتداخل النقد الثقافي مع بناء الهوية الشخصية على الشبكات. الكاتب لم يعد مجرد ناقل للمعرفة، بل علامة تجارية صغيرة. تتقاطع هنا الصحافة مع اقتصاد الانتباه الذي وصفه هربرت سايمون مبكراً باعتباره المورد النادر في عصر المعلومات. فكلما ازدادت المعلومات قلّ الانتباه، ومن يمتلكه يمتلك السلطة الرمزية.
على المستوى المنهجي يعتمد الكتاب على دراسات حالة من الصحافة الأوروبية والأمريكية، ما يمنحه وضوحاً تجريبياً، لكنه يحدّ من عالميته. إذ تغيب تجارب الجنوب الرقمي حيث تتخذ الفجوة الرقمية أبعاداً لغوية وثقافية مختلفة. القارئ العربي مثلاً سيلاحظ أن النقاش حول اللغة المهيمنة في الإنترنت لا يحضر إلا هامشياً، رغم أن اللغة عامل مركزي في المشاركة الثقافية. كان بالإمكان توسيع الإطار ليشمل صحافة الثقافات غير الغربية التي تواجه تحدياً مزدوجاً: الاندماج في الفضاء الرقمي والحفاظ على الخصوصية المعرفية.
كما يميل بوفر أحياناً إلى رؤية الخوارزميات ككيانات شبه مستقلة، بينما هي في النهاية نتاج قرارات شركات ومنطق اقتصادي محدد. النقد يصبح أعمق لو ربط بين بنية الملكية الرقمية ومصير الصحافة الثقافية، وهو ما تناوله باحثون في اقتصاد الإعلام أكثر وضوحاً. مع ذلك يظل تحليله دقيقاً في وصف الأثر، حتى لو لم يذهب بعيداً في تفسير الجذور السياسية والاقتصادية.
يصل الكتاب إلى خلاصة مفادها أن مستقبل الصحافة الثقافية لن يكون عودة إلى الورق ولا ذوباناً كاملاً في المنصات، بل بحثاً عن صيغة هجينة تستعيد العمق داخل الوسيط الرقمي. يدعو بوفر إلى تطوير مهارات نقدية جديدة لدى الصحفي والقارئ معاً، مهارات قادرة على قراءة الخوارزمية بقدر قراءة النص. فالمعرفة الثقافية لم تعد في العمل الفني وحده، بل في مسار ظهوره وانتشاره أيضاً.
قراءة هذا العمل تكشف أن المسألة لا تتعلق بتقنية تُستعمل في الثقافة، وإنما بثقافة تتشكل وفق منطق التقنية. الصحافة الثقافية تقف اليوم عند مفترق طرق: إمّا أن تتحول إلى جزء من تدفق المحتوى السريع، أو أن تعيد تعريف دورها بوصفها مساحة للتأمل داخل الضجيج الرقمي. في هذا التوتر تحديداً يكمن جوهر أطروحة بوفر، وفيه أيضاً يكمن مستقبل النقد الثقافي في زمن الشبكات.








0 التعليقات:
إرسال تعليق