الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 12، 2026

موجات جديدة من الهجرة والدموع على حدود المتوسط: إعداد عبده حقي

 


تشهد قضية الهجرة العربية في بداية عام 2026 تحولات وأحداثاً مؤلمة في عدة محاور عالمية، من تراجعات في سياسات قبول اللاجئين إلى مآسي إنسانية في البحر المتوسط، وتوترات سياسية حول حقوق المهاجرين في دول الاستقبال. هذه التطورات تركت أثراً بالغاً في مجتمعات المهاجرين، خصوصاً من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأثارت نقاشات حادة على المستويات الإنسانية والسياسية في آن واحد.

أبرز الأخبار الأخيرة تركزت حول مأساة بحرية جديدة على سواحل ليبيا، حيث أعلنت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 53 شخصاً من المهاجرين لقوا حتفهم أو فقدوا بعد انقلاب قاربهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا. من بين الضحايا رضيعان، بينما نجا اثنان فقط من هذه الكارثة التي وقعت في السادس من فبراير/شباط 2026، وهما امرأتان نيجيريتان فقدت إحداهما زوجها، بينما فقدت الأخرى طفليها. هذه الحوادث تعكس استمرار المخاطر الكبيرة التي يواجهها المهاجرون على المسار البحري الأوسط والمتوسط في محاولتهم الوصول إلى أوروبا عبر طرق تهريب خطيرة ولا تضمن سلامة الركاب.

تفيد تقارير إخبارية ومنظمات إنسانية أن شبكات تهريب البشر تستغل الفوضى السياسية في ليبيا والافتقار لتدابير أمان موثوقة، مما يدفع المهاجرين إلى ركوب قوارب غير مناسبة وغير صالحة للملاحة. كما تشير بيانات إلى أن عدد الوفيات والمفقودين في هذه المنطقة خلال عام 2026 تجاوز 484 شخصاً، بعد أن كانت هناك مئات الوفيات خلال يناير وحده.

في سياق متصل، منظمات حقوقية ومنظمات إنقاذ أوروبية تشير إلى أن آلاف المهاجرين، خاصة من دول غرب وشرق إفريقيا والشرق الأوسط مثل سوريا والعراق، يواصلون الإبحار عبر طرق جديدة بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا. غير أن الأحوال الجوية السيئة والظروف القاسية في عرض البحر تزيد من المخاطر، حيث يخشى، بحسب بعض التقارير، أن يكون هناك ما يقرب من 1000 مهاجر مفقودين أو لقوا حتفهم في الكارثة الأخيرة في وسط البحر المتوسط بعد عواصف قوية تضافرت مع رحلات محفوفة بالمخاطر.

على المستوى السياسي، تشهد سياسات الهجرة تشدداً ملحوظاً في أوروبا. فقد صادق الاتحاد الأوروبي على خطوات تقرب من إنشاء مراكز خارجية لاستقبال المهاجرين وطالبي اللجوء، وهو ما يتضمن إمكانية ترحيل طالبي اللجوء إلى دول لا تربطهم بها صِلات، وذلك في إطار اتفاقيات ثنائية مع دول مثل تونس وتركيا وبنغلاديش. وينتقد نشطاء حقوقيون هذه الخطوة، معتبرين أنها تضع الأشخاص في خطر أكبر وتخلي بالمسؤولية عن التزامات حقوق الإنسان الأساسية.

في شأن آخر، تقرير حديث أعدته هيئة تفتيش السجون في المملكة المتحدة سلط الضوء على أوضاع المهاجرين المطرودين إلى فرنسا بموجب نظام “واحد يدخل وواحد يُرسل”. ويُظهر التقرير أن العديد من المرحّلين يواجهون صعوبات لغوية ويعانون نقصاً في المشورة القانونية والدعم، ما يفاقم وضعهم النفسي والاجتماعي، في حين يتم تبادل المهاجرين بين الدول دون ضمانات واضحة لحقوقهم أو فرص اندماجهم.

إلى جانب ذلك، تشهد الدول المغاربية أيضاً تغيرات في ملفات الهجرة. ففي تونس مثلاً، أثار تصنيفها كـ “دولة آمنة” جدلاً واسعاً، إذ سيؤدي هذا التصنيف بحسب مراقبين إلى تعامل مختلف مع طلبات اللجوء التونسية في أوروبا، قد يسهل رفضها وإعادتهم قسراً، في حين أن تونس نفسها تشدد على عدم تحولها إلى “منطقة عبور” فقط للمهاجرين.

على الجانب الإنساني والاجتماعي، لا يزال الوصم الاجتماعي والتحامل ضد اللاجئين في بعض الدول الأوروبية موضوع نقاش وجدل. تقارير إعلامية وأبحاث ميدانية تحدثت عن معاناة اللاجئين الذكور من التمييز وعدم حصولهم على فرص كافية للعمل والسكن، بالإضافة إلى تعرضهم للتشكيك في نواياهم وأهدافهم في البلدان المضيفة.

هذه الأحداث تشكل جزءاً من صورة أكبر لمعركة إنسانية وسياسية معقدة تظل فيها حياة المهاجرين في خطر مستمر، بينما تتصارع دول ومؤسسات دولية مع تحديات إدارة الهجرة وتأمين طرق آمنة للمحتاجين إلى الحماية. في الوقت الذي تفرض فيه بعض الدول قيوداً مشددة وسياسات ردع، يظل عدد كبير من الأشخاص مصرين على مواصلة رحلات محفوفة بالمخاطر بدافع السعي وراء الأمن والاستقرار، مع استمرار بروز دعوات قوية من منظمات حقوق الإنسان للمجتمع الدولي للعمل على حلول أكثر إنسانية واستدامة لقضية الهجرة.


0 التعليقات: