الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 26، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( رجال في الشمس) إعداد عبده حقي


من بين الروايات التي سكنتني طويلًا رواية «رجال في الشمس» للروائي الفلسطيني غسان كنفاني. رواية قصيرة في عدد صفحاتها، لكنها كبيرة في معناها، موجعة في نهايتها، ومفتوحة على أسئلة لا تنتهي.

صدرت هذه الرواية سنة 1963، في زمن كانت فيه جراح فلسطين لا تزال طازجة بعد نكبة 1948. كان آلاف الفلسطينيين يعيشون في المخيمات، بين خيام مؤقتة تحولت إلى واقع دائم. كان الحلم بالعودة حاضرًا، لكن الحياة اليومية كانت أصعب من الانتظار. في هذا السياق كتب غسان كنفاني روايته، لا كمتفرج، بل كلاجئ يعرف طعم الفقدان.

تحكي الرواية قصة ثلاثة رجال فلسطينيين: أبو قيس، الرجل الكبير في السن الذي يحمل في صدره حنينًا إلى أرضه وزيتونه القديم؛ أسعد، الشاب الذي يريد أن يبدأ حياة جديدة ويتزوج؛ ومروان، الفتى الصغير الذي اضطرته ظروف عائلته إلى البحث عن عمل خارج الوطن. ثلاثة أجيال، ثلاثة أحلام، لكنهم يشتركون في شيء واحد: الرغبة في الهروب من الفقر والانتظار.

يلتقون بسائق شاحنة يُدعى أبو الخيزران، يعدهم بتهريبهم إلى الكويت مقابل مبلغ من المال. في تلك الفترة، كانت الكويت تمثل الأمل والوظيفة والراتب الشهري. كانت صورة الخليج في مخيلة اللاجئين تشبه نافذة مفتوحة على مستقبل أقل قسوة. لكن الطريق ليس سهلًا. عليهم أن يختبئوا داخل خزان ماء فارغ في شاحنة أثناء عبور الحدود، حتى لا يكتشفهم الجنود.

هنا يبدأ الامتحان الحقيقي. الشمس في الصحراء ليست شمسًا عادية. إنها نار معلقة في السماء. يدخل الرجال الثلاثة إلى الخزان المعدني، ويُغلق عليهم الباب. في البداية يظنون أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق. لكن الإجراءات على الحدود تطول، والحديث بين الحراس يطول، والحرارة ترتفع، والهواء يقلّ.

عندما يعود أبو الخيزران أخيرًا ليفتح الخزان، يجدهم قد ماتوا اختناقًا.

المشهد بسيط في ظاهره، لكنه يهزّ القلب. لا صراخ طويل، لا بطولات، لا معارك. فقط موت صامت داخل خزان مغلق. وهنا يطلق أبو الخيزران سؤاله الشهير الذي صار علامة في الأدب العربي: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟"

هذا السؤال ليس موجهًا فقط إلى الشخصيات الثلاثة. إنه سؤال موجّه إلينا جميعًا. لماذا نصمت أحيانًا أمام الخطر؟ لماذا نقبل بالاختناق بدل أن نصرخ؟ هل الخوف هو السبب؟ أم اليأس؟ أم الاعتياد على الهزيمة؟

في رأيي، قوة الرواية تكمن في هذا السؤال. غسان كنفاني لم يكتب حكاية تهريب فحسب، بل كتب عن حالة نفسية وجماعية. الخزان قد يكون رمزًا للمخيم، أو للواقع العربي آنذاك، أو لأي وضع يشعر فيه الإنسان بأنه محاصر. الصحراء ليست فقط مكانًا جغرافيًا، بل فضاء للضياع والانتظار الطويل.

شخصية أبو الخيزران أيضًا تستحق التأمل. هو فلسطيني مثلهم، لكنه يعيش عقدة خاصة بعد أن فقد رجولته في الحرب. يحاول أن يعوض خسارته بالمال والمغامرة والدهاء. هو ليس شريرًا بالكامل، لكنه ليس بريئًا. في النهاية، يحمل إحساسًا بالذنب، لكنه يتأخر. تمامًا كما تأخر في فتح الخزان.

أسلوب الرواية بسيط وواضح، وهذا ما يجعلها قريبة من القراء الشباب. لا توجد جمل معقدة، ولا وصف طويل ممل. كل شيء مكثف، مثل حرارة الصحراء نفسها. كنفاني يعرف كيف يختصر الألم في مشهد واحد، وكيف يجعل القارئ يشعر بالاختناق دون أن يصرخ.

وأنا أكتب لكم هذه السطور، أتذكر أن الأدب الحقيقي لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يوقظ الأسئلة. «رجال في الشمس» ليست رواية سياسية مباشرة، رغم أنها مرتبطة بالقضية الفلسطينية. إنها رواية عن الإنسان الذي يبحث عن كرامته. عن الحلم الذي يصطدم بالواقع. عن الطريق الذي يبدو قصيرًا، لكنه يخفي فخًا قاتلًا.

اليوم، بعد أكثر من ستين عامًا على صدورها، ما زالت الرواية حية. ما زال هناك من يهاجرون بحثًا عن عمل. ما زال هناك من يخاطرون بحياتهم في البحار والصحارى. ما زال سؤال "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟" يطارد أجيالًا جديدة.

لهذا أنصح متابعي صفحتي على تيك توك بقراءة هذه الرواية. ليست طويلة، يمكن إنهاؤها في يوم أو يومين. لكنها ستجعلك تفكر طويلًا. ستجعلك تسأل نفسك: ماذا أفعل أنا حين أشعر أنني داخل خزان مغلق؟ هل أطرق الجدران؟ أم أستسلم للصمت؟

غسان كنفاني اغتيل شابًا سنة 1972، لكنه ترك لنا كلمات أقوى من الرصاص. ترك لنا شخصيات بسيطة، لكنها صارت رموزًا. وترك لنا سؤالًا مفتوحًا، لا يزال يبحث عن جواب في ضمائرنا.

في النهاية، «رجال في الشمس» ليست فقط رواية عن ثلاثة رجال ماتوا في الصحراء. إنها مرآة نرى فيها ضعفنا وقوتنا معًا. إنها دعوة إلى ألا نصمت. إلى ألا نختنق ونحن قادرون على الطرق. لأن الحياة، مهما كانت قاسية، تستحق أن نقاوم من أجلها… ولو بقبضة على جدار خزان.

0 التعليقات: