تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء المغربية، ولا سيما الاجتماعات رفيعة المستوى التي احتضنتها واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026، إلى أن النزاع دخل مرحلة جديدة تتسم بكثافة الاتصالات الدبلوماسية وارتفاع منسوب الواقعية السياسية. فاستضافة العاصمة الأمريكية لقمة جمعت ممثلين عن الولايات المتحدة والمغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، تعكس إرادة دولية متزايدة لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية قابلة للتطبيق، في سياق إقليمي ودولي لم يعد يحتمل استمرار النزاعات المجمدة.
في هذا الإطار، يبرز دور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا الذي اختار، بحسب ما صرح به المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، “التزام الصمت” بشأن تفاصيل المحادثات الجارية، حفاظًا على فرص نجاح المفاوضات. هذا “الصمت الدبلوماسي” ليس انسحابًا، بل تكتيك تفاوضي يهدف إلى تجنيب المسار السياسي ضغوط الإعلام والمزايدات السياسية، بما يسمح بتهيئة مناخ ملائم لتقريب وجهات النظر.
إن دلالة هذا التطور تكمن في أن المجتمع الدولي بات أكثر ميلاً إلى الحلول الواقعية والعملية، بعيدًا عن الطروحات القصوى التي أثبتت التجربة تعثرها. وفي هذا السياق، يبرز مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 باعتباره مبادرة متقدمة تستجيب لمبدأي السيادة الوطنية والتدبير الديمقراطي المحلي في آن واحد.
الحكم الذاتي: صيغة توفيقية بين الوحدة والتنوع
يقوم مخطط الحكم الذاتي على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية عبر مؤسسات منتخبة بصلاحيات واسعة في مجالات الاقتصاد والتنمية والثقافة والبيئة، مع احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية المرتبطة بالدفاع والعلاقات الخارجية والعملة. وبهذا المعنى، يشكل المشروع صيغة توفيقية بين مبدأ وحدة الدولة واحترام الخصوصيات الجهوية، وهو نموذج معمول به في عدد من الديمقراطيات العريقة.
لقد حظي هذا المقترح منذ طرحه بإشادة متزايدة من قوى دولية كبرى، واعتُبر “جديًا وذا مصداقية”، لأنه يطرح حلاً عمليًا بدل الإبقاء على نزاع يستنزف الطاقات ويؤخر الاندماج المغاربي. ومع التحولات الجيوسياسية الراهنة، بات واضحًا أن منطق “اللا حل” لم يعد مقبولًا، وأن الاستقرار الإقليمي أصبح أولوية في ظل التحديات الأمنية في الساحل والصحراء.
واشنطن وتحول المقاربة الدولية
إن احتضان واشنطن لهذه الاجتماعات رفيعة المستوى يعكس انتقال الملف إلى مرحلة أكثر حسمًا. فالولايات المتحدة، التي كانت قد اعترفت بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020، تسعى اليوم إلى تثبيت مسار سياسي يُفضي إلى اتفاق متفاوض عليه. ومن خلال جمع الأطراف حول طاولة واحدة، تُرسل الإدارة الأمريكية رسالة مفادها أن زمن الجمود قد ولى، وأن الحل ينبغي أن يكون واقعيًا ومبنيًا على التوافق.
توصيف بعض التقارير الإعلامية لمستقبل الصحراء بأنه “أصبح أكثر وضوحًا في واشنطن” يعكس هذا التحول؛ إذ إن وضوح الرؤية لا يعني فرض حل أحادي، بل الاقتناع بأن الخيارات القصوى غير قابلة للتحقق، وأن الحكم الذاتي يمثل أرضية وسطى قابلة للتطوير ضمن سيادة المغرب.
الصمت الأممي كآلية لحماية المسار السياسي
إن اختيار ستافان دي ميستورا “البقاء صامتًا” بشأن تفاصيل المحادثات ينسجم مع تقاليد العمل الدبلوماسي في النزاعات المعقدة. فالإفراط في التصريحات قد يعرقل التقدم، بينما يتيح التحفظ مساحة للحوار الهادئ. ومن منظور تحليلي، يمكن اعتبار هذا الصمت مؤشرًا على حساسية اللحظة، وربما على وجود نقاشات جوهرية حول عناصر الاتفاق الممكن.
كما أن الأمم المتحدة، التي تؤكد باستمرار على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف، تجد في مبادرة الحكم الذاتي إطارًا منسجمًا مع قرارات مجلس الأمن التي تبتعد عن الخيارات غير العملية، وتدعو إلى مقاربة قائمة على التوافق.
أبعاد إقليمية واستراتيجية
إن دعم مخطط الحكم الذاتي لا يقتصر على كونه خيارًا مغربيًا، بل يتصل أيضًا باستقرار المنطقة المغاربية. فاستمرار النزاع يعرقل قيام اتحاد مغاربي فعّال، ويُبقي الحدود مغلقة، ويؤثر سلبًا على التنمية المشتركة. أما التوصل إلى اتفاق في إطار السيادة المغربية، مع ضمانات دولية لتفعيل الحكم الذاتي، فسيُحرر طاقات اقتصادية هائلة ويُعزز التعاون الأمني في مواجهة التحديات العابرة للحدود.
من جهة أخرى، فإن التحولات في منطقة الساحل، وتصاعد تهديدات الجماعات المتطرفة، يجعل من الضروري إغلاق بؤر التوتر المزمنة. وفي هذا السياق، يُعدّ الحكم الذاتي حلاً يُحقق الاستقرار دون المساس بالوحدة الترابية، ويمنح السكان المحليين دورًا مباشرًا في صناعة مستقبلهم.
بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية
ينطلق الموقف المغربي من شرعية تاريخية وقانونية تؤكد ارتباط الصحراء بالمغرب، غير أن الرباط لم تكتفِ بسردية التاريخ، بل انتقلت إلى طرح حل سياسي عملي ينسجم مع المعايير الدولية للحكم الرشيد واللامركزية. وهنا تكمن قوة مبادرة الحكم الذاتي: فهي لا تُقصي أحدًا، بل تدعو إلى مشاركة الجميع في بناء نموذج تنموي وديمقراطي داخل إطار السيادة الوطنية.
إن الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية – من استثمارات في البنية التحتية إلى مشاريع الطاقة المتجددة والموانئ – تُظهر أن المغرب لا يتعامل مع الصحراء كملف سياسي فحسب، بل كفضاء تنموي استراتيجي. ومن شأن إقرار الحكم الذاتي أن يُعزز هذه الدينامية ويمنحها بعدًا مؤسساتيًا مستدامًا.
أفق التسوية الممكنة
إن الاجتماعات الأخيرة في واشنطن، والتكتم الأممي المدروس، وتزايد الحديث عن ضرورة تسريع الاتفاق، كلها مؤشرات على أن الملف يقترب من منعطف حاسم. وفي هذا السياق، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو البناء على مخطط الحكم الذاتي باعتباره قاعدة تفاوضية متقدمة.
فالحلول الصفرية لم تُنتج سوى الجمود، أما المقاربات التوافقية فتفتح آفاقًا جديدة. وإذا كانت الدبلوماسية تُدار أحيانًا في صمت، فإن معالم المرحلة القادمة توحي بأن المجتمع الدولي يتجه نحو تثمين المبادرات العملية بدل إعادة إنتاج الشعارات.
وفي النهاية، فإن دعم مخطط الحكم الذاتي ليس مجرد اصطفاف سياسي، بل قراءة لميزان القوى والتحولات الدولية. إنه خيار يجمع بين الواقعية والسيادة، وبين الانفتاح والتماسك الوطني. وإذا ما توافرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، فإن واشنطن قد تكون بالفعل المحطة التي يبدأ منها العد العكسي نحو تسوية تاريخية تُنهي عقودًا من النزاع، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة المغاربية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق