في السنوات الأخيرة لم يعد السؤال المطروح داخل غرف الأخبار يتعلق فقط بأزمة التمويل أو تراجع الثقة، بل بات يتمحور حول كائن جديد يتسلل إلى المجال العمومي بصمت: «الصحفي الخوارزمي» أو ما يمكن تسميته مجازًا بالصحفي الزائف المؤتمت. هذا الكائن ليس شخصًا من لحم ودم، ولا يمتلك ضميرًا مهنيًا أو حسًا نقديًا، بل هو منظومة من الأكواد والخوارزميات القادرة على إنتاج نصوص إخبارية، وتحليل بيانات، وصياغة عناوين جذابة في ثوانٍ معدودة. إننا أمام تحوّل عميق يعيد تشكيل مفهوم الصحافة ذاته، ويطرح أسئلة معرفية وأخلاقية تتجاوز حدود التقنية إلى صميم الفضاء الديمقراطي.
لقد بشّر بعض المنظّرين مبكرًا بولادة هذا الشكل من الصحافة المؤتمتة. ففي كتابه «The Data Journalism Handbook» يشير جوناثان غراي وزملاؤه إلى أن معالجة البيانات آليًا ستصبح جزءًا عضويًا من العمل الصحفي. كما تناول نيكولاس دياردي في دراسات متخصصة حول “Automated Journalism” قدرة الخوارزميات على إنتاج تقارير رياضية ومالية اعتمادًا على قواعد بيانات جاهزة. غير أن ما كان في بدايته أداة مساعدة للصحفي، تحول تدريجيًا إلى بديل محتمل عنه في بعض السياقات، خصوصًا مع تطور نماذج اللغة الكبيرة التي تستطيع محاكاة الأسلوب البشري بدرجة مذهلة.
الصحفي الخوارزمي لا يذهب إلى الميدان، ولا يواجه مصادره، ولا يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الضحايا أو الجمهور. إنه يعمل وفق منطق الاحتمال الإحصائي، حيث تُستخرج الجمل من أنماط لغوية سابقة، وتُعاد صياغتها في قالب يبدو مقنعًا. هنا تكمن المفارقة: النص الناتج قد يكون سليمًا لغويًا ومتماسكًا ظاهريًا، لكنه يفتقر إلى التجربة الحية وإلى الحس النقدي الذي يشكل جوهر العمل الصحفي. إن الخوارزمية تشبه مرآة ضخمة تعكس ما تغذّت به من بيانات، لكنها لا تمتلك وعيًا ذاتيًا يتيح لها مساءلة تلك البيانات أو كشف تحيزاتها.
حادثة اعتماد بعض المؤسسات الإعلامية العالمية على أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقالات إخبارية، كما حدث مع منصة “CNET” سنة 2023، أثارت جدلًا واسعًا بعدما تبين أن عددًا من النصوص احتوى على أخطاء جوهرية. كذلك كشفت تقارير في “The Guardian” و“New York Times” عن مخاوف تتعلق بانتشار الأخبار المولّدة آليًا من دون تدقيق بشري كافٍ. هذه الوقائع ليست معزولة، بل تعكس توتّرًا بنيويًا بين منطق السرعة والكفاءة الاقتصادية من جهة، ومنطق المسؤولية المهنية من جهة أخرى.
إن تأثير الصحفي الخوارزمي على المجال العام يمكن قراءته في ضوء أطروحات يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي. فالصحافة التقليدية كانت تُعتبر وسيطًا عقلانيًا يتيح تداول الحجج وتشكيل الرأي العام. أما اليوم، فإن تدفّق المحتوى المؤتمت بكثافة قد يحوّل النقاش العمومي إلى بحر من النصوص المتشابهة، حيث تُعاد تدوير المعلومات بدل مساءلتها. يشبه الأمر فيضًا من النسخ المتطابقة التي تملأ الرفوف، في حين يتراجع الصوت النقدي المتفرّد.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الشفافية. فالقارئ غالبًا لا يعلم ما إذا كان النص الذي يطالعه من إنتاج صحفي بشري أم نتيجة خوارزمية. هذا الغموض يمسّ بمبدأ الإفصاح الذي يشكل أحد أعمدة أخلاقيات المهنة. وقد دعت منظمات مثل “Reporters Without Borders” إلى ضرورة وضع أطر تنظيمية تفرض على المؤسسات الإعلامية توضيح استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى. إن الشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرطًا للحفاظ على الثقة المتآكلة أصلًا بين الجمهور ووسائل الإعلام.
غير أن الصورة ليست سوداء بالكامل. فالصحافة المؤتمتة قادرة على أداء مهام روتينية بكفاءة عالية، مثل تحليل البيانات الضخمة أو تتبع المؤشرات الاقتصادية في الزمن الحقيقي. في هذا السياق يمكن استحضار تجربة وكالة “Associated Press” التي استخدمت الأتمتة لإنتاج تقارير مالية موسمية، مما أتاح للصحفيين التفرغ للتحقيقات المعمقة. من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الخوارزمية كخصم مطلق، بل كأداة يمكن تسخيرها ضمن رؤية تحريرية واضحة تحافظ على الدور النقدي للصحفي.
المعضلة الحقيقية تكمن في التوازن بين الأتمتة والإنسانية. فالصحافة ليست مجرد تجميع معلومات، بل هي فعل تأويل وسرد ومسؤولية أخلاقية. إن تقريرًا عن كارثة طبيعية، على سبيل المثال، لا يقتصر على عرض الأرقام، بل يتطلب نقل شهادات الضحايا وسياق الحدث وأبعاده الاجتماعية. الخوارزمية قد تحصي عدد القتلى بدقة، لكنها تعجز عن التقاط ارتعاشة صوت أم فقدت طفلها. هنا يتجلى الفرق بين النص كمنتج تقني والنص كشهادة إنسانية.
من زاوية أخرى، يثير انتشار الصحفيين الخوارزميين مسألة البطالة المهنية وإعادة تعريف المهارات المطلوبة. فقد أشارت تقارير صادرة عن “World Economic Forum” إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل سوق العمل الإعلامي، ما يستدعي تأهيلًا جديدًا للصحفيين يجمع بين المعرفة التقنية والقدرة النقدية. إن الصحفي في المستقبل قد يحتاج إلى فهم آليات الخوارزميات بقدر حاجته إلى إتقان مهارات الكتابة والتحقيق.
ثمة بعد فلسفي كذلك لا يمكن إغفاله. فالكتابة الصحفية، منذ نشأتها، ارتبطت بفكرة الذات الكاتبة المسؤولة. ومع دخول الخوارزمية إلى هذا الحقل، يتزعزع مفهوم المؤلف. رولان بارت تحدث عن «موت المؤلف» في سياق أدبي، لكننا اليوم أمام موت مختلف، حيث يُستبدل المؤلف البشري بنموذج إحصائي لا يحمل اسمًا ولا سيرة. إننا إزاء تحوّل يمسّ معنى الإبداع ذاته، ويجعل من النص نتيجة عملية حسابية بدل أن يكون أثرًا لوعي فردي.
في المحصلة، لا يمكن تجاهل واقع الصحافة الخوارزمية، ولا الاكتفاء بإدانتها أو الاحتفاء بها. المطلوب مقاربة نقدية تضع حدودًا واضحة بين ما يمكن أتمتته وما ينبغي أن يظل شأنًا إنسانيًا خالصًا. فكما أن الطباعة لم تُلغِ الكاتب بل غيّرت شروط عمله، قد لا يُلغي الذكاء الاصطناعي الصحفي البشري، لكنه سيجبره على إعادة تعريف دوره. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن الخوارزمية، بخلاف المطبعة، تمتلك قدرة على محاكاة الصوت البشري ذاته، وهو ما يجعل التحدي أكثر تعقيدًا.
إن الدفاع عن صحافة مسؤولة في عصر الخوارزميات يقتضي تعزيز أخلاقيات المهنة، وتطوير تشريعات واضحة، وتثقيف الجمهور حول طبيعة المحتوى الذي يستهلكه. فالصحافة، في جوهرها، عقد ثقة بين الكاتب والقارئ. وإذا ما تحوّل هذا العقد إلى علاقة غامضة بين القارئ وخوارزمية غير مرئية، فإن الفضاء العمومي مهدد بأن يفقد أحد أعمدته الأساسية. وفي زمن تتكاثر فيه النصوص كما تتكاثر الظلال عند الغروب، يبقى الرهان معقودًا على بقاء الصوت الإنساني، بما يحمله من شك وأسئلة ومسؤولية، حاضرًا في قلب المشهد الإعلامي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق