في عصر تتسارع فيه الأخبار كما تتسارع نبضات القلوب في لحظات الترقب، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي امتداداً مباشراً لغرف الأخبار، بل تحوّلت أحياناً إلى قاعات موازية للمحاكم. لم يعد الصحافي ينتظر نهاية الجلسة ليحرر تقريراً متأنياً، بل صار ينقل الوقائع لحظة بلحظة عبر “التغريد الفوري”، في ممارسة تُعرف بـ live-tweeting. غير أن هذا التحول التقني يطرح إشكالاً أخلاقياً عميقاً: أين ينتهي حق الجمهور في المعرفة، وأين تبدأ حدود حماية العدالة وحقوق المتقاضين؟
لقد كانت العلاقة بين الإعلام والقضاء دائماً علاقة دقيقة، تقوم على توازن هش بين الشفافية والسرية. في كتابه الشهير The Press and the Public Interest يؤكد الصحافي الأمريكي وولتر ليبمان أن الرأي العام يتشكل عبر “صور في أذهاننا” أكثر مما يتشكل عبر الوقائع المجردة. وإذا كانت هذه الصور تُبنى اليوم في الزمن الحقيقي عبر تغريدات قصيرة، فإن خطر التشويه أو الاختزال يصبح مضاعفاً. فالتغريدة، بحكم طبيعتها المكثفة، قد تختزل مرافعة معقدة في جملة مبتورة، أو تحول انفعالاً عابراً إلى عنوان دائم في الذاكرة الرقمية.
إن مبدأ علنية الجلسات، المعترف به في العديد من الأنظمة القانونية، يُعد أحد ضمانات المحاكمة العادلة. تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل فرد الحق في محاكمة علنية. غير أن العلنية التقليدية تختلف عن العلنية الرقمية. فالأولى محصورة بجدران القاعة، أما الثانية فتنتشر في الفضاء السيبراني بلا حدود، لتصل إلى ملايين المتابعين في ثوانٍ معدودة. هنا يتبدى السؤال الأخلاقي في صورة أكثر تعقيداً: هل تتحول الشفافية إلى استعراض؟ وهل يصبح المتهم موضوعاً لفرجة جماهيرية قبل أن يصدر الحكم؟
شهدت السنوات الأخيرة عدداً من القضايا التي أظهرت قوة وتأثير التغطية اللحظية. في محاكمة أوسكار بيستوريوس في جنوب أفريقيا عام 2014، كانت التغريدات الفورية تنقل تفاصيل الشهادات أولاً بأول، ما جعل الرأي العام العالمي شريكاً دائماً في متابعة المحاكمة. وفي الولايات المتحدة، خلال محاكمة ديريك شوفين عام 2021، لعبت التغطية المباشرة عبر وسائل التواصل دوراً محورياً في تشكيل النقاش العام حول العدالة العرقية. هذه الأمثلة تكشف أن live-tweeting ليس مجرد تقنية نقل، بل أداة لصياغة السردية القضائية في المجال العام.
غير أن المخاطر الأخلاقية لا تقل وضوحاً عن الفوائد. فالمتهم، حتى تثبت إدانته، يتمتع بقرينة البراءة، وهي حجر الزاوية في العدالة الجنائية. التغريدات المتسرعة قد تُضفي على الاتهام طابع اليقين، أو توحي بإدانة ضمنية عبر اختيار مفردات منحازة. وهنا تبرز أهمية اللغة؛ فاللغة في المحكمة ليست مجرد وسيلة وصف، بل هي أداة قانونية دقيقة. يشير الفيلسوف القانوني رونالد دوركين في كتابه Taking Rights Seriously إلى أن العدالة تتطلب حساسية فائقة تجاه الحقوق الفردية، بما في ذلك الحق في السمعة والكرامة. إن التغريدة غير المتوازنة قد تترك أثراً لا يمحوه حتى حكم البراءة.
إضافة إلى ذلك، ثمة خطر التأثير على سير العدالة ذاتها. فالقضاة وهيئات المحلفين، وإن كانوا مطالبين بالحياد، يعيشون في مجتمع متصل رقمياً. الانتشار الواسع لتغريدات تتضمن تحليلات أو تعليقات قد يخلق مناخاً ضاغطاً، أشبه برياح خفية تحيط بقاعة المحكمة. وقد حذرت بعض الهيئات القضائية في بريطانيا وكندا من أن التغطية اللحظية قد تؤدي إلى نشر معلومات غير مقبولة قانوناً كأدلة، مما قد يفضي إلى إبطال المحاكمة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التغريد الفوري أسهم في تعزيز الشفافية ومساءلة السلطة القضائية في بعض السياقات. في قضايا الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان، يصبح النقل اللحظي درعاً ضد التعتيم. لقد لعبت وسائل التواصل دوراً مهماً في تسليط الضوء على محاكمات سياسية في عدد من البلدان، حيث لم تكن وسائل الإعلام التقليدية قادرة على تغطية الأحداث بحرية كاملة. في هذا السياق، يغدو live-tweeting أداة للديمقراطية، أشبه بمصباح صغير يضيء زوايا معتمة في قاعة العدالة.
التحدي إذن لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في المعايير التي تحكم استخدامها. توصي مدونات السلوك الصحافي، مثل ميثاق جمعية الصحافيين المحترفين في الولايات المتحدة (SPJ Code of Ethics)، بضرورة “البحث عن الحقيقة ونقلها” مع “تقليل الضرر” في الوقت ذاته. هذا التوازن يتطلب من الصحافي القضائي وعياً مزدوجاً: وعيًا بحق الجمهور في المعرفة، ووعياً بحدود التأثير المحتمل على العدالة والأفراد. ليس كل ما يُقال في المحكمة صالحاً للنشر الفوري، وليس كل انفعال يستحق أن يتحول إلى وسم متداول.
من الناحية المهنية، يفرض live-tweeting ضغطاً زمنياً قد يقوض التحقق والدقة. فالرغبة في السبق قد تدفع إلى نشر معلومات قبل التأكد من سياقها الكامل. هنا تبرز أهمية التدريب المتخصص في الصحافة القضائية، وهي مجال يتطلب فهماً عميقاً للإجراءات القانونية والمصطلحات التقنية. إن الجهل بتفاصيل قانونية قد يؤدي إلى سوء تفسير خطير، تماماً كما قد يضلل الطبيب تشخيصاً إذا لم يفهم الأعراض بدقة.
كما أن حماية الخصوصية تظل مسألة جوهرية، خاصة في القضايا التي تشمل قاصرين أو ضحايا اعتداءات جنسية. بعض الأنظمة القانونية تفرض حظراً على نشر أسماء أو تفاصيل معينة، وأي خرق قد يعرّض الصحافي والمؤسسة للمساءلة القانونية. غير أن البعد الأخلاقي يتجاوز مجرد الامتثال للقانون؛ إنه يتعلق باحترام إنسانية الأطراف، وعدم تحويل مآسيهم إلى مادة استهلاكية عابرة في سيل التغريدات.
إن مستقبل الصحافة القضائية في العصر الرقمي يتوقف على قدرتها على تطوير إطار أخلاقي مرن، يستجيب للتحولات التقنية دون التفريط في المبادئ الأساسية. قد يكون من المفيد التفكير في إرشادات خاصة بالتغطية اللحظية، تتضمن مثلاً تأخيراً زمنياً بسيطاً يسمح بالمراجعة، أو الامتناع عن نشر بعض التفاصيل الحساسة حتى نهاية الجلسة. كما يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تعتمد سياسات تحريرية واضحة تحدد معايير الدقة واللغة المستخدمة في التغريدات.
في نهاية المطاف، تظل العدالة قيمة سامية، لا يجوز أن تتحول إلى عرض حي يخضع لمنطق التفاعل والإعجابات. إن المحكمة ليست مسرحاً، والمتهم ليس شخصية في مسلسل يتابعه الجمهور بشغف يومي. وإذا كانت التكنولوجيا قد فتحت نوافذ جديدة للشفافية، فإنها في الوقت ذاته تتطلب قدراً أعلى من المسؤولية. فالكلمة المنشورة في الفضاء الرقمي تشبه حجراً يُلقى في بحيرة هادئة؛ دوائرها تتسع وتتداخل، وقد تصل إلى ضفاف بعيدة لم يتوقعها أحد.
من هنا، فإن أخلاقيات التغريد الفوري في الصحافة القضائية ليست مسألة تقنية عابرة، بل اختبار حقيقي لنضج المهنة في زمن السرعة. إنها دعوة إلى التأمل في معنى العدالة ذاتها، وفي الدور الذي ينبغي أن يلعبه الإعلام بين قاعة المحكمة وساحة الرأي العام. وبين هذين الفضاءين، يقف الصحافي كجسر دقيق، عليه أن يحافظ على توازنه، فلا يميل مع عاصفة الإثارة، ولا يغلق الباب في وجه الحق المشروع في المعرفة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق