الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 23، 2026

الرواية التشاركية وأفق التأليف الجماعي في العصر الرقمي: عبده حقي

 


في تحولات الأدب المعاصر يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة المؤلف ذاته: هل ما يزال النص الروائي فعلاً فردياً خالصاً، أم أنه بات فضاءً مفتوحاً تتقاطع فيه أصوات متعددة وتتشابك فيه الإرادات السردية كما تتشابك خيوط نسيج حيّ؟ إن ما يُعرف اليوم بـ"الرواية التشاركية" أو "التأليف الجماعي عبر المنصات الرقمية" لا يمثل مجرد تقنية جديدة للكتابة، بل يعكس تحوّلاً عميقاً في مفهوم الإبداع، وفي علاقة الكاتب بالقارئ، وفي بنية السلطة الرمزية داخل الحقل الأدبي.

لقد اعتاد النقد الكلاسيكي، منذ القرن التاسع عشر، أن يتعامل مع المؤلف بوصفه مركز المعنى ومنبع السلطة التأويلية. غير أن هذا التصور تعرض لهزة فكرية مع إعلان رولان بارت في مقاله الشهير "موت المؤلف" سنة 1967 أن النص يولد لحظة القراءة، وأن المعنى لا يُختزل في نية الكاتب. ثم جاء ميشيل فوكو في محاضرته "ما المؤلف؟" ليعيد مساءلة وظيفة المؤلف بوصفها بناءً مؤسساتياً وثقافياً. في ضوء هذه المرجعيات النظرية، يمكن النظر إلى الرواية التشاركية بوصفها تجسيداً عملياً لذلك التحول الفلسفي، حيث يصبح النص مجالاً تداولياً مفتوحاً لا يحتكره صوت واحد.

لقد أتاحت المنصات الرقمية، مثل منصات الكتابة الجماعية ومنتديات السرد التفاعلي، إمكانات غير مسبوقة لتكوين نصوص روائية يشارك في صياغتها عدد كبير من الكتّاب والقراء. ويمكن الإشارة هنا إلى تجارب عالمية مثل رواية "A Million Penguins" التي أطلقتها دار Penguin بالتعاون مع جامعة De Montfort عام 2007، حيث شارك مئات المستخدمين في كتابة نص روائي مفتوح عبر الإنترنت. ورغم الفوضى النصية التي صاحبت التجربة، فإنها كشفت عن إمكانات جديدة للكتابة التعاونية، وأثارت نقاشاً واسعاً في الصحافة الثقافية البريطانية حول مستقبل الرواية.

إن الرواية التشاركية تُعيد تعريف مفهوم "الملكية الأدبية". ففي النظام التقليدي، يخضع النص لحقوق مؤلف محدد، أما في التأليف الجماعي فإن الحدود بين الكاتب والمحرر والقارئ تصبح ضبابية. يشبه النص هنا مدينةً تنمو على أطرافها أحياء جديدة كل يوم؛ لا يمكن نسبتها إلى مهندس واحد، بل إلى تفاعل سكانها وتاريخهم المشترك. هذه الاستعارة الحضرية تساعد على فهم البنية الشبكية للرواية التشاركية، حيث تتوزع السلطة السردية كما تتوزع الطرق في خريطة معقدة.

غير أن هذه الإمكانات لا تخلو من إشكالات جمالية ومعرفية. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح يتعلق بوحدة النص وانسجامه. الرواية، بوصفها جنساً أدبياً، تقوم على بنية سردية متماسكة، وعلى رؤية جمالية تنظم الأحداث والشخصيات. في كتابه "نظرية الرواية"، يشير جورج لوكاش إلى أن الرواية تعبير عن وعي فردي يسعى إلى استعادة معنى العالم في زمن التشتت. فإذا تعددت الذوات الكاتبة، فهل يتلاشى هذا الوعي المركزي؟ أم أن النص يكتسب وعياً جمعياً يتجاوز الفرد؟

يمكن القول إن المنصات التشاركية تحاول معالجة هذا التحدي عبر آليات تحرير جماعي أو عبر وجود مشرفين ينسقون المساهمات المختلفة. وهنا يظهر دور ما يمكن تسميته بـ"المنسق السردي"، الذي لا يكتب النص بالضرورة، لكنه يضبط إيقاعه ويحافظ على تماسكه. هذا الدور يشبه قائد أوركسترا ينسق بين آلات متعددة ليصوغ سيمفونية واحدة، دون أن يلغي خصوصية كل آلة.

من ناحية أخرى، تفتح الرواية التشاركية الباب أمام ديمقراطية سردية غير مسبوقة. فالقارئ لم يعد متلقياً سلبياً، بل صار مشاركاً في تشكيل الحبكة وتطوير الشخصيات. هذا التحول يتقاطع مع ما أشار إليه هنري جينكنز في كتابه "ثقافة التقارب" حول دور الجمهور الفاعل في صناعة المحتوى. فالثقافة الرقمية، بحسب جينكنز، تقوم على المشاركة والتفاعل، وليس على الاستهلاك الأحادي. وهكذا تصبح الرواية فضاءً اجتماعياً، أقرب إلى ورشة مفتوحة منها إلى عمل منجز نهائياً.

غير أن هذه الديمقراطية قد تفضي أيضاً إلى نوع من الشعبوية السردية، حيث تميل الحبكة إلى إرضاء توقعات الجمهور بدلاً من تحديها. لقد ناقشت بعض المقالات في مجلات أدبية معاصرة هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن ضغط التفاعل الفوري قد يدفع النص إلى خيارات سهلة أو نمطية. ومن ثم، فإن التوازن بين الحرية الجماعية والرؤية الجمالية المتماسكة يظل معادلة دقيقة.

على المستوى المعرفي، تعكس الرواية التشاركية روح العصر الرقمي الذي يتسم بالشبكية والتعدد والتشظي. فكما أن المعرفة اليوم تُنتج في بيئات تعاونية مفتوحة، مثل ويكيبيديا، كذلك يمكن للسرد أن يتشكل عبر مساهمات متعددة. إلا أن الفرق الجوهري يكمن في أن الرواية ليست مجرد تجميع معلومات، بل بناء تخييلي يتطلب حساسية فنية. هنا يتجلى التحدي الأكبر: تحويل التعدد إلى انسجام، والفوضى إلى إيقاع.

في السياق العربي، ما تزال تجارب الرواية التشاركية محدودة، لكنها بدأت تظهر عبر منصات إلكترونية ومبادرات شبابية. ويمكن استحضار بعض المشاريع التي اعتمدت على دعوة القراء للمساهمة في كتابة فصول رواية تُنشر تباعاً على الإنترنت. هذه المبادرات، وإن كانت في بداياتها، تعكس رغبة في كسر العزلة التقليدية للكاتب، وفي إعادة تعريف العلاقة بين النص وجمهوره.

يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذا النمط من الكتابة. هل ستصبح الرواية التشاركية شكلاً أدبياً مستقلاً، له قواعده وجمالياته الخاصة؟ أم أنها ستظل تجربة هامشية في ظل استمرار النموذج الفردي المهيمن؟ ربما يكون الجواب في الجمع بين النموذجين، بحيث يحتفظ الكاتب برؤيته الخاصة، لكنه يفتح نافذة لتفاعل القراء ضمن إطار منظم.

إن الرواية التشاركية ليست مجرد تقنية عابرة، بل مرآة لتحولات أعمق في الثقافة والاتصال. إنها تعبير عن زمن تتداخل فيه الأصوات كما تتداخل أمواج البحر، لا يمكن فصل موجة عن أخرى، لكنها جميعاً تسهم في تشكيل الأفق. وفي هذا الأفق الجديد، لم يعد السؤال عن سلطة المؤلف وحدها، بل عن معنى الكتابة نفسها في مجتمع شبكي يتشارك الحكاية كما يتشارك الذاكرة.


0 التعليقات: