الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 23، 2026

القميص الوطني المغربي الذي أربك السلطة الجزائرية

 


قبل أسابيع قليلة فقط، اجتاحت صورة شاب جزائري مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. شاب في الثانية والعشرين من عمره، يُدعى ليرنين، يرتدي قميص المنتخب المغربي خلال مباراة لكرة القدم جمعت فريقه المحلي شبيبة القبائل بمولودية الجزائر في ملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو. صورة عادية في ظاهرها، لكنها تحوّلت إلى شرارة جدل سياسي وإعلامي عابر للحدود.

الرواية التي انتشرت على فيسبوك وتيك توك وإنستغرام تحدثت عن اعتقاله ثم الحكم عليه بسنتين حبسا نافذاً، فقط لأنه ارتدى قميص منتخب بلد جار. صدمة، استنكار، حملات تضامن، ووسوم تدعو إلى إطلاق سراحه. وفي المقابل، صمت رسمي وإعلامي داخل الجزائر. لا بيانات، لا نفي، لا توضيح. صمت ثقيل يترك المجال مفتوحاً لكل التأويلات.

كثيرون في الجزائر اعتبروا القصة مجرد “خبر مفبرك” روّجته جهات مغربية للإساءة إلى صورة الجزائر. وقيل إن الإعلام المغربي ضخّم الحكاية لتوظيفها سياسياً في سياق التوترات الثنائية. غير أن أول من نشر الخبر لم يكن موقعاً مغربياً، بل الناشطة الجزائرية موح شبيلا، زوجة المعارض المعروف فتحي غراس، أحد قيادات حركة الديمقراطية الاجتماعية التي علّقت السلطات نشاطها. نشرت بتاريخ 7 يناير 2026 تدوينة تروي فيها تفاصيل اعتقال الشاب، مؤكدة أنه من قريتها نفسها، وأن ما جرى له مرتبط فقط بالقميص الذي ارتداه.

هنا تتعقّد الصورة. نحن أمام شهادة صادرة من داخل الجزائر، من ناشطة معروفة بمواقفها المعارضة، وليست منبرًا إعلامياً خارجياً. ومع ذلك، ظلّ الملف محاطاً بالخوف. لا العائلة ترغب في الحديث، ولا الأصدقاء يجرؤون على الإدلاء بأي تصريح. كأن القضية تحوّلت إلى منطقة ظلّ.

ما الذي حدث فعلاً؟ في الثاني من يناير 2026، خلال أجواء كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب بين 21 ديسمبر 2025 و18 يناير 2026، حضر ليرنين المباراة مرتدياً قميص المنتخب المغربي. في بداية البطولة، كانت الأجواء بين الشعبين تميل إلى التهدئة؛ صور مشجعين جزائريين يُستقبلون بحفاوة في مدن مغربية، ومغاربة يرفعون أعلام الجزائر في المدرجات. لكن بعد خروج الجزائر من ربع النهائي أمام نيجيريا، ثم اشتداد الحملات المتبادلة على المنصات الرقمية، انقلب المزاج العام إلى توتر واستقطاب.

وسط هذا المناخ المشحون، تحوّل قميص رياضي إلى رمز سياسي. وهنا تكمن المأساة. فالقميص في جوهره رمز لفريق وطني لكرة القدم، لا بيان ولاء سياسي، ولا إعلان موقف أيديولوجي. ملايين الجزائريين يرتدون قمصان البرازيل والأرجنتين وألمانيا وإنجلترا. هل يصبح الانتماء الكروي جريمة؟ هل يتحول التشجيع إلى تهمة؟

تحقيقات غير رسمية تشير إلى أن الشاب ليست له أي علاقة بحركة “الماك” الانفصالية المصنفة إرهابية منذ 2021. لا نشاط سياسي معروف، لا انخراط في تنظيمات. مجرد شاب من منطقة القبائل، ربما أراد أن يبعث برسالة ودّ في لحظة كان فيها جزء من الشارع يتوق إلى المصالحة الشعبية بعيداً عن صراعات الحكومات.

الملف يطرح سؤالاً أكبر: هل أصبح الفضاء الرياضي رهينة التوترات الجيوسياسية؟ كرة القدم في المغرب والجزائر ليست مجرد لعبة؛ إنها مرآة للعلاقات الثنائية، وورقة ضمن أوراق “القوة الناعمة”. خلال البطولة نفسها، شهد المغرب اعتقال مشجعين جزائريين وسنغاليين بعد أحداث عنف، وأصدرت المحاكم أحكاماً معلنة في حق بعضهم. الإعلام المغربي غطّى تلك الوقائع بتفاصيلها. أما في قضية ليرنين، فالغياب الإعلامي الجزائري زاد الغموض بدل أن يبدده.

العدالة، في كل الأنظمة القانونية الحديثة، تقوم على العلنية والشفافية. إن كان هناك جرم، فليُعرض على الرأي العام وفق معايير واضحة. وإن لم يكن هناك جرم، فالإفراج واجب أخلاقي وقانوني. لأن العقوبة، إن ثبتت، تبدو غير متناسبة مع الفعل. فارتداء قميص منتخب أجنبي لا يرقى إلى مستوى تهديد الأمن القومي.

القضية تتجاوز شخص ليرنين. إنها تمسّ جيلاً كاملاً من الشباب المغاربي الذي تعب من خطاب الكراهية. شباب يريدون السفر، التبادل، الموسيقى، الرياضة، لا المزيد من الأسوار النفسية. كرة القدم يمكن أن تكون جسراً، لكنها تتحول أحياناً إلى ساحة تصفية حسابات رمزية.

في النهاية، لا أحد يربح من سجن حلم شاب. إن صحّت الرواية، فنحن أمام حالة تمسّ حرية التعبير الفردي، ولو في أبسط أشكالها: اختيار ما نرتديه في مدرجات ملعب. وإن لم تصحّ، فإن توضيح الحقيقة واجب أيضاً لوقف دوامة الشائعات.

العدالة لا تخاف الضوء. وكرامة الدول لا تُصان بإسكات القصص، بل بمواجهتها بشفافية. ليرنين، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، لا يستحق أن يتحول قميصه إلى زنزانة.


0 التعليقات: