الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، فبراير 23، 2026

صناعة وهم الدولة على منصة سياسية مغلقة: عبده حقي


في العشرين من فبراير 2026 احتضن المركز الثقافي العربي “بن مهيدي” في الجزائر العاصمة ندوة لتقديم كتاب باللغة الإنجليزية يحمل عنوان “Western Sahara: A State and a Colony” لمؤلفه الألماني مانفريد هاينز، أستاذ القانون بجامعة بريمن،

بمعية أحمد سيدي علي، المستشار القانوني لرئاسة ما يسمى “الجمهورية الصحراوية”. وقد قُدِّم العمل باعتباره توثيقًا لمسار “دولة قائمة” تكافح ضد “احتلال مغربي توسعي”، مع استعراض مقتطفات من أحكام قضائية أوروبية وإفريقية، وقائمة بالدول المعترفة بما يسمى الجمهورية الصحراوية.

لكن خلف هذا المشهد الثقافي الظاهري، تختبئ محاولة سياسية مكشوفة لإعادة تدوير خطاب انفصالي فقد الكثير من بريقه أمام تحولات الواقع الدولي، وأمام الحقائق التاريخية والقانونية التي لا يمكن طمسها بندوة أو كتاب، مهما كان غلافه أكاديميًا.

أول ما يلفت الانتباه هو اختيار المكان والسياق. فالجزائر، التي تحتضن وتدعم جبهة البوليساريو سياسيًا وماليًا ودبلوماسيًا منذ سبعينيات القرن الماضي، ليست طرفًا محايدًا في النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، بل هي طرف رئيسي بحكم الوقائع الميدانية والاحتضان السياسي والعسكري للمخيمات فوق ترابها في تندوف. وعليه، فإن أي عمل يُقدَّم في هذا السياق لا يمكن فصله عن الرعاية السياسية الواضحة التي تؤطره.

الكتاب، بحسب ما رُوّج له، يركز على “تطور مؤسسات الدولة الصحراوية” وعلى “مطابقة دستورها لدساتير العالم”. غير أن السؤال الجوهري الذي يتجنبه هذا الخطاب هو: ما معنى الدولة في القانون الدولي؟ إن تعريف الدولة لا يقوم فقط على وجود دستور أو هياكل شكلية، بل على عناصر موضوعية معروفة في الفقه الدولي، أبرزها وجود إقليم محدد تمارس عليه سلطة فعلية، وسكان مستقرين، وحكومة قادرة على بسط سيادتها، إضافة إلى القدرة على الدخول في علاقات دولية مستقلة.

وإذا عدنا إلى الواقع، نجد أن ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” لا تمارس سيادة فعلية على الإقليم المتنازع عليه، ولا تملك مقومات الدولة المستقلة بالمعنى المتعارف عليه، بل إن جزءًا من سكان المخيمات يعيشون فوق تراب دولة أخرى، في وضع قانوني معقد، بينما الجزء الأكبر من سكان الأقاليم الجنوبية يعيشون تحت السيادة المغربية، ويمارسون حقوقهم السياسية عبر الانتخابات المحلية والجهوية والتشريعية، ويشاركون في مؤسسات الدولة المغربية.

أما الاستشهاد بأحكام صادرة عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أو المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، فهو استدعاء انتقائي لقرارات قضائية غالبًا ما تُفهم خارج سياقها السياسي والدبلوماسي. فالأحكام الأوروبية المتعلقة باتفاقيات الصيد أو الفلاحة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لم تُقرّ بوجود دولة مستقلة في الصحراء، بل تناولت مسائل تقنية مرتبطة بمدى شمول الاتفاقيات للإقليم المتنازع عليه، في إطار قانوني خاص بالاتحاد الأوروبي. بل إن الاتحاد الأوروبي ذاته يواصل تعامله مع المغرب كشريك استراتيجي، ويُعيد صياغة اتفاقياته بما ينسجم مع قراراته القضائية دون الاعتراف بكيان انفصالي.

ثم إن الحديث عن “شحنة فوسفات” صودرت في ميناء بجنوب إفريقيا قبل سنوات لا يرقى إلى مستوى الحجة الحاسمة، بقدر ما يعكس نزاعًا قانونيًا عابرًا في سياق إقليمي محدد، سرعان ما تجاوزه الواقع الدبلوماسي والاقتصادي.

الحقيقة التي يتجنبها الخطاب الانفصالي هي أن ملف الصحراء المغربية شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة على مستوى المواقف الدولية. فقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية، في ديسمبر 2020، بسيادة المغرب على صحرائه، وأكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره حلاً جديًا وواقعيًا وذا مصداقية. كما أن عدداً متزايداً من الدول الإفريقية والعربية افتتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، في تعبير عملي عن دعمها للوحدة الترابية للمملكة.

مقترح الحكم الذاتي، الذي قدمه المغرب سنة 2007، لا يُختزل في مناورة سياسية، بل يُعد تصورًا متقدمًا يمنح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية ضمن سيادة الدولة المغربية، في إطار لامركزية موسعة تحترم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة. وقد وصف مجلس الأمن هذا المقترح في قراراته المتتالية بأنه جدي وذي مصداقية، داعيًا الأطراف إلى الانخراط في حل سياسي واقعي ومتوافق عليه.

إن تصوير المغرب كـ”قوة احتلال توسعية” يتجاهل جذور المسألة التاريخية، ويتعامى عن الروابط البيعية والقانونية التي كانت قائمة بين قبائل الصحراء والعرش المغربي قبل الاستعمار الإسباني، كما أكدت ذلك وثائق تاريخية متعددة، بل وأشارت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري سنة 1975 حين أقرت بوجود روابط قانونية بين الإقليم والمغرب، حتى وإن لم تعتبرها روابط سيادة كاملة بالمعنى الحديث.

وإذا كان من حق أي باحث أن يكتب ويدافع عن أطروحته، فإن من حقنا أيضًا أن نُذكّر بأن النزاع حول الصحراء ليس مجرد قضية “تحرر وطني” كما يُروَّج لها، بل هو نزاع إقليمي معقد، تغذيه حسابات جيوسياسية، وتؤثر فيه توازنات مغاربية مختلة منذ عقود. والمفارقة أن الشعوب المغاربية، التي يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، تظل رهينة لهذا الصراع الذي يعطل بناء اتحاد مغاربي قوي ومتكامل.

الجرأة الحقيقية اليوم لا تكمن في إصدار كتاب يُعيد إنتاج خطاب سبعينيات القرن الماضي، بل في الاعتراف بأن الحل العسكري أو التصعيد الإعلامي لن يخدم أي طرف. الجرأة تكمن في الجلوس إلى طاولة الحوار، بعيدًا عن الشعارات القصوى، وبعيدًا عن منطق “الكل أو لا شيء”.

المغرب، وهو ينخرط في دينامية تنموية واسعة في أقاليمه الجنوبية، من خلال مشاريع البنية التحتية والموانئ والطاقات المتجددة والاستثمارات الاجتماعية، يراهن على ربط الصحراء بعمقها الإفريقي، وعلى تحويلها إلى قطب اقتصادي منفتح على غرب إفريقيا. وهذه المقاربة التنموية ليست مجرد أرقام، بل واقع يلمسه من يزور العيون أو الداخلة، حيث تتغير ملامح المدن، وتتوسع الجامعات والمستشفيات، وتُخلق فرص جديدة للشباب.

في النهاية، لا يمكن لكتاب مهما كان عنوانه أن يُغير حقائق الجغرافيا ولا موازين الشرعية الدولية المتحركة. الصحراء ليست ساحة شعارات، بل مجال حياة لآلاف المواطنين الذين يطمحون إلى الاستقرار والازدهار. وبين قاعة مغلقة في الجزائر تُقدَّم فيها رواية أحادية، وصحراء مفتوحة على مشاريع التنمية والرهانات الإفريقية، يظل المستقبل مرهونًا بإرادة سياسية شجاعة، تتجاوز منطق العداء، وتؤمن بأن الحل الواقعي هو الذي يجمع ولا يفرق.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: