من بين الروايات العربية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الثقافية إلى اليوم، تبرز رواية قنديل أم هاشم للكاتب المصري الكبير يحيى حقي. صدرت هذه الرواية لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي، لكنها ما زالت قادرة على مخاطبة القارئ المعاصر، لأنها تطرح سؤالاً بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: هل يمكن أن يلتقي الإيمان بالعلم؟ وهل الصراع بينهما حتمي أم يمكن تجاوزه؟
الرواية تدور أحداثها في حي السيدة زينب في القاهرة، حول مقام وضريح السيدة زينب، حيث يضيء الناس قنديلًا يعتقدون أن زيته يشفي الأمراض، خصوصًا أمراض العيون. في هذا الجو الشعبي البسيط، ينشأ بطل الرواية “إسماعيل” بين أهل الحي، متشبعًا بعاداتهم ومعتقداتهم.
إسماعيل شاب ذكي، يتفوق في دراسته، ويسافر إلى أوروبا ليدرس الطب، تحديدًا طب العيون. هناك يتعرف على عالم مختلف: عالم قائم على البحث العلمي والتجربة والتحليل. يتعلم أن الأمراض لها أسباب واضحة، وأن علاجها يحتاج إلى معرفة دقيقة وأدوات حديثة، لا إلى زيت قنديل.
لكن الصدمة الكبرى تبدأ حين يعود إسماعيل إلى مصر. يعود وهو يحمل العلم الحديث، لكنه يصطدم ببيئته الأولى، بأهله، وبالمعتقدات الراسخة في قلوبهم. يرى الناس يضعون زيت القنديل في عيون المرضى، معتقدين أنه شفاء. فيغضب، ويرى في ذلك جهلًا وخرافة. يحاول أن يمنعهم، ويصرخ في وجوههم، ويصف ما يفعلونه بأنه خطأ.
هنا يتولد الصراع الأساسي في الرواية: صراع بين عقل إسماعيل المتأثر بالغرب، وقلبه المرتبط بجذوره. وبين العلم الحديث، والإيمان الشعبي.
في البداية، يتصرف إسماعيل بتعالي. يشعر أنه أفضل من أهل حيه، وأنه وحده يملك الحقيقة. يتهمهم بالجهل، ويحتقر طقوسهم. لكنه يكتشف مع الوقت أن المشكلة ليست في الإيمان نفسه، بل في فهمه. فالقنديل عند الناس ليس مجرد زيت، بل رمز للأمل والبركة والانتماء.
يحيى حقي لا يهاجم الدين، ولا يمجد الخرافة. بل يقدم رؤية متوازنة. فهو يبين أن الإيمان الصادق يمكن أن يعيش جنبًا إلى جنب مع العلم الصحيح. وأن المشكلة تبدأ حين يتحول الإيمان إلى تعصب، أو يتحول العلم إلى غرور.
أسلوب الرواية بسيط، قريب من الناس، لكنه عميق في معانيه. اللغة ليست معقدة، بل شفافة، مليئة بالوصف الدقيق للمكان والشخصيات. نرى الحي الشعبي بأزقته، ووجوه الناس، وروائح البخور، وصوت الدعاء. ونرى أيضًا أوروبا ببرودها، ومختبراتها، ونظامها الصارم.
أحد أجمل جوانب الرواية هو التحول الذي يمر به إسماعيل. فبعد صدامات كثيرة، يدرك أنه أخطأ حين احتقر الناس. يفهم أن مهمته ليست أن يسخر من معتقداتهم، بل أن يوجههم بلطف، وأن يربط بين العلم واحترام مشاعرهم. في النهاية، يصبح طبيبًا ناجحًا، لكنه أيضًا إنسانًا أكثر تواضعًا.
الرواية قصيرة نسبيًا، لكنها مليئة بالرسائل. من أهم هذه الرسائل:
أولًا: لا يكفي أن نمتلك العلم، بل يجب أن نمتلك الحكمة في استخدامه.
ثانيًا: لا يجوز أن نسخر من معتقدات الناس، حتى لو كنا نراها خاطئة.
ثالثًا: التغيير الحقيقي لا يحدث بالقوة، بل بالحوار والقدوة الحسنة.
ولعل هذا ما يجعل “قنديل أم هاشم” رواية صالحة لكل زمان. ففي عصرنا الحالي، ما زلنا نعيش صراعات مشابهة: بين القديم والجديد، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والتكنولوجيا. ما زلنا نرى من يرفض كل ما هو حديث، ومن يرفض كل ما هو قديم.
الرواية تدعونا إلى طريق ثالث: طريق التوازن.
ومن الناحية الفنية، تعتبر هذه الرواية من روائع الأدب العربي الحديث. فهي نموذج للرواية القصيرة المكثفة، التي تعتمد على فكرة واحدة عميقة، وتبني حولها شخصيات حية وصادقة. وقد ساهمت في ترسيخ مكانة يحيى حقي كأحد رواد السرد العربي.
كما أن الرواية تحولت إلى عمل سينمائي شهير في ستينيات القرن الماضي، مما زاد من انتشارها وجعلها معروفة لدى جمهور أوسع.
إذا كنت من متابعي صفحتي على تيك توك، وتبحث عن كتاب قصير لكنه مؤثر، بسيط لكنه عميق، فأنصحك بقراءة “قنديل أم هاشم”. ستجد نفسك أمام قصة إنسانية قريبة منك، حتى لو لم تعش في حي السيدة زينب، وحتى لو لم تدرس الطب في أوروبا.
ستسأل نفسك:
هل أتعامل مع أفكار الآخرين بتعالٍ؟
هل أرفض الجديد خوفًا؟
هل أرفض القديم بدافع الغرور؟
هذه الرواية لا تعطيك إجابات جاهزة، لكنها تجعلك تفكر.
وفي النهاية، يمكن القول إن “قنديل أم هاشم” ليست فقط حكاية عن طبيب عاد من أوروبا، بل هي حكاية عن كل إنسان يسافر بعيدًا ثم يعود ليكتشف أن التحدي الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل… في قدرته على التوفيق بين عقله وقلبه.
لهذا السبب، تبقى هذه الرواية مضيئة، مثل قنديل صغير في زاوية قديمة، لكنه قادر على أن ينير طريقًا طويلًا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق