الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 27، 2026

خريطةُ الكتابِ العربيِّ تتجدّدُ بينَ الرباطِ وبيروتَ والقاهرة: عبده حقي

 


في الأيّام الأخيرة، بدا المشهدُ الثقافي العربيّ كأنّه ورشةٌ مفتوحةٌ على أكثرَ من جبهة: روايةٌ تُعيدُ طرحَ سؤالِ الهويّة والهجرة، وكتبٌ توثيقيّةٌ تُمسكُ بجراحِ الذاكرة القريبة، ودليلٌ مهنيٌّ يفاوضُ عصرَ الذكاءِ الاصطناعي من داخل اللغة لا من خارجها، فيما دورُ نشرٍ راسخةٌ تُعلنُ “الإصدارات الحديثة” باعتبارها نبضاً لا رفاهية. واللافتُ أنّ “الجديد” لم يعد يعني فقط عنواناً جديداً على رفّ المكتبة، بل يعني أيضاً تغيّرَ الموضوعاتِ التي تفرضُ نفسها: الحربُ بوصفها أرشيفاً يوميّاً، والمنفى كبيتٍ مؤقّتٍ طويل، والصحافةُ كحرفةٍ تبحثُ عن معنى في زمن السرعة.

على مستوى المنابر الثقافية، قدّمت “الضفّة الثالثة” (ضمن “العربي الجديد”) صورةً مركّزة عن هذا الحراك عبر زاوية “صدر حديثاً”، حيث تتابعت خلال الأسبوع الأخير من فبراير 2026 إشاراتٌ إلى كتبٍ ومجلّاتٍ ودوريّاتٍ تعكس مزاجاً معرفيّاً متوتّراً: من صدور العدد 77 من الدورية المحكّمة “سياسات عربية” بما يحمله من اشتغالٍ على السياسة الدولية وأسئلة المنطقة، إلى تقديم أعمالٍ نقدية وأدبية جديدة. هذا التراكم السريع، بتاريخٍ شبه يوميّ (22 و24 و25 و26 فبراير 2026)، يوحي بأنّ النشرَ العربيّ بات يلاحقُ الراهن لا ليُجمّله، بل ليفكّكه ويُعيدَ صياغته في قالبٍ قابلٍ للقراءة والجدل.

ولعلّ أكثر ما يلفت في هذا المسار أنّ “الكتاب” لم يعد ينفصل عن الخبر؛ فبين العناوين التي رصدتها “الضفّة الثالثة” حديثاً كتابٌ توثيقيّ/صحافيّ عن “مجازر مخيم جباليا”، يقدّم شهاداتٍ عن مجازر موثّقة وقصصٍ من قلب العنف، بما يجعل النشر امتداداً للأرشفة المدنية لا مجرّد إنتاجٍ أدبيّ. وفي السياق نفسه ظهرت إصدارات شعرية جديدة، من بينها مجموعة الشاعر العراقي حمدان طاهر “نافذة تطل على الفراغ” ضمن إصدارات “أهوار” في بغداد، بما يعكس استمرار الشعر بوصفه جهازاً حسّاساً يلتقط ارتجافات اللحظة.

أمّا “القدس العربي”، فتبدو زاوية “صدر حديثاً” لديها وكأنّها تُمسك بالخيط ذاته ولكن من زاويةٍ أكثر التصاقاً بالمشهد العام: كتابان جديدان للكاتب والباحث السياسي الفلسطيني ماجد كيالي صدرا عن دار كنعان للدراسات والنشر، أحدهما يقرأ ياسر عرفات عبر “وجهات نظر إسرائيلية”، والآخر يقدّم شهاداتٍ مرتبطة بسجن صيدنايا؛ هنا تتحوّل الإصدارات إلى “عدسة” لقراءة السياسة من داخل التجربة والوثيقة، لا من خارجها.

وفي الأسبوع نفسه تقريباً، نشرت “القدس العربي” خبراً ثقافياً عن رواية مغربية جديدة بعنوان «برزخ الرمال» للروائي المغربي يوسف آيت علي أبريم، تُعيد فتح ملفّ الهجرة وأسئلة الهوية والاغتراب عبر فضاءات المنافي وخياراتها القاسية. حضورُ هذا العنوان المغربي داخل منصّة عربية واسعة الانتشار يذكّر بأنّ المغرب ليس “سوقاً” للكتاب فحسب، بل مصدرُ سردٍ يواصل الاشتباك مع موضوعاتٍ كونية تُكتب بلسانٍ محليّ وتجربةٍ شخصية.

وإذا كان الأدبُ يقتربُ من الخبر، فإنّ الصحافة بدورها تقتربُ من الكتاب. فبين أبرز ما رصدته “القدس العربي” في الأشهر الأخيرة كتاب «هندسة المعنى: دليل في تقنيات السرد الصحفي» للصحفي والروائي والمدرّب السوري عبد الله مكسور، والذي أُعلن عنه ضمن سياق مؤتمر شبكة “أريج” (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية). قيمة هذا الكتاب أنّه لا يقدّم “وصفات” سريعة، بل يعيد تعريف كتابة التحقيق والتقرير المعمّق بوصفها “صناعة معنى” في زمن تتضخم فيه المعلومات وتتنازع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي مع المعايير المهنية. إنّه من الكتب التي تُخبرنا بأنّ دور النشر العربية ليست بمعزل عن التحوّل الرقمي، بل تُحاول أن تضع له قواعد عملٍ داخل اللغة وخارجها.

على مستوى دور النشر، تُظهر “دار الساقي” في بيروت نموذجاً واضحاً لسياسة “الإصدارات الحديثة” بوصفها واجهةً دائمة لا موسمية. ففي صفحة “صدر حديثاً” تتجاور كتبٌ فكرية وسياسية وترجمات وأعمال سيرية وروايات، من بينها عناوين مثل “قرنٌ من الاشتراكية” لحازم صاغية، و“الإقطاع التكنولوجي” ليانيس فاروفاكيس، و“بعد السماء الأخيرة” لإدوارد سعيد، إلى جانب روايات وأعمال أخرى ضمن القائمة نفسها. هذا التنويع لا يعكس فقط ذائقة قارئٍ متعدّد، بل يعكس أيضاً وعياً ناشراً بأنّ القارئ العربي اليوم يطلب “المعرفة” بقدر ما يطلب “الحكاية”، وأنّ رفّ المكتبة صار مرآةً لسؤال: أين يقف الفرد بين الدولة والتكنولوجيا والذاكرة؟

وفي خلفية هذه الدينامية، تظهر كذلك أخبار الدار وأنشطتها: من إعلانٍ يتعلّق بـ“جائزة مي غصوب للرواية” إلى المشاركة في معارض الكتاب، بما يشي بأنّ صناعة النشر ليست نصوصاً فقط، بل منظومةُ ترويجٍ وتوزيعٍ واحتكاكٍ مباشر مع القرّاء.

أما “دار الآداب” فتقدّم، عبر صفحة “كل الإصدارات” وما يتفرّع عنها من “كتب صدرت حديثاً”، مشهداً روائياً بامتياز: عناوين جديدة أو مُعلَن عنها ضمن سلاسل الرواية، مع بياناتٍ تفصيلية عن المؤلفين وعدد الصفحات وتواريخ الإصدار. من بين ما يظهر في واجهة “الأحدث”: رواية «مشقة العادي» لساري موسى (إصدار 2026)، ورواية «خلوة النقص» لعالية ممدوح (إصدار 2026)، إلى جانب عناوين أخرى تُعلن حضورها في القائمة نفسها، ما يوحي بأنّ الرواية ما تزال “قاطرة” سوق القراءة العربية، ولكنها قاطرةٌ باتت تجرّ خلفها أسئلةً أكثر حدّة عن العيش اليومي والخذلان والنجاة.

خلاصة هذا المشهد، كما يبدو بين “الضفّة الثالثة” و“القدس العربي” و“دار الساقي” و“دار الآداب”، أنّ الإصدارات العربية في الأيام الأخيرة تتحرّك في ثلاثة اتجاهات متداخلة:
اتجاهٌ أول يُعيد تسييس الذاكرة عبر شهاداتٍ ووثائق وكتبٍ تفكّك الراهن (من صيدنايا إلى غزة وما بعدها).
واتجاهٌ ثانٍ يضع الهجرة والهوية في قلب السرد، بما في ذلك حضورٌ مغربيّ واضح في عناوين جديدة تتقصّى المنفى وأسئلته.
واتجاهٌ ثالث يُحاول ترميم “حرفة المعنى” نفسها: الصحافة، التحرير، السرد، والكتابة تحت ضغط الذكاء الاصطناعي، عبر كتبٍ تُقارب التقنية بالأخلاق والمنهج.

وهكذا، لا يبدو “الجديد” في النشر العربي مجرد سباقٍ على العناوين، بل تحوّلاً في وظيفة الكتاب: من متعةٍ مؤجلة إلى ضرورةٍ يومية—كأنّ القراءة، في هذه المنطقة تحديداً، صارت إحدى طرق النجاة من فائض الواقع.

0 التعليقات: