في مطلع عام 2026، يبدو أنَّ الساحةَ الثقافية العربية قد دخلت حقبةً جديدة في مسار “الكتاب الإلكتروني” (E-book)، لا يقتصرُ فيها التطوّرُ على زيادةِ أعداد العناوين المتاحة بصيغة رقمية فحسب، بل يمتدُّ إلى بنى النشر وتوزيع المحتوى واستراتيجيات الرقمنة التي تُلامِسُ العالمَ بأسره. إن ما يجري اليوم يُظهر تحولاً في العلاقة بين النصّ والقارئ، بحيث بات الكتابُ الإلكترونيُّ جزءًا لا يتجزّأُ من أسواق النشر وتقنيات التوزيع والمعارض الكبرى، ويتفاعلُ مع مساراتٍ مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتوسّع المكتبات الرقمية الكبرى مثل تلك التي أطلقتها شركات كبرى ومبادرات عربية.
أول ما يلفتُ النظرَ في هذا السياق هو انطلاق “المكتبة العربية الرقمية” على منصة أمازون، التي أُطلقت مؤخرًا لتضمَّ أكثر من 33,000 كتابٍ عربيّ بصيغة Kindle الإلكترونيّة، إلى جانب خمسة آلاف كتابٍ صوتيّ (Audiobook) متاحٍ للقارئ العالمي، مع أكثر من ألف عنوانٍ مجانيّ منذ الإطلاق. هذه المبادرة تضع المحتوى العربيّ على منصةٍ عالميةٍ واسعة الانتشار، وتُسهّلُ على الناشرين العرب تضمين إصداراتهم في سوقٍ يحتكمُ إلى المعايير الرقمية العالميّة.
على المستوى العربيّ نفسه، هناك منصاتٌ رقميّة ومكتباتٌ إلكترونيّة تنشط في هذا المجال وتقدّم عناوين متجدّدة في مختلف التخصصات. من هذه المنصات مكتبة نور، التي تضمُّ آلاف الكتب والروايات بصيغة PDF وDoc، وتتيحُ للمؤلفين نشرَ كتبهم إلكترونيًّا وعرضها مباشرةً للقرّاء بأسلوبٍ يفوق التقييدَ الورقيّ التقليديّ في الوصول للشريحة القرائية العربية. كما يبرزُ موقع Arab World Books كمجموعة تربط القارئ العربيّ بأحدث الإصدارات والأعمال المتاحة بصيغة رقمية، وتُتيحُ أيضًا مناقشاتٍ وحواراتٍ حول الكتب والقراءات، في خطوةٍ نحو دمج تجربة القراءة الرقمية مع الحوارات المعرفيّة.
في ضوء ذلك، يتعزّزُ دورُ دورِ النشر العربية في نشر الكتب الإلكترونية، سواء من خلال إدراج إصداراتها في هذه المكتبات الرقمية، أو عبر نشر نسخٍ إلكترونية بصيغٍ تتوافق مع أجهزة القراءة الحديثة. من الأمثلة على ذلك مؤسسة “دار بسمة للنشر الإلكتروني”، التي تُعدّ من دور النشر القائمة على صيغة E-book، وتنشر كتبًا عربية في مجالات متعددة مثل الرواية والشعر والسيرة الذاتية وكتب التنمية الذاتية، وتتميّز بتوفّرها بصيغ رقمية يمكن تحميلها وقراءتها على الأجهزة الذكية.
ولا ينبغي إغفالُ الإصدارات الإلكترونية التي تظهر بشكلٍ دوريّ على متاجر عالميّة مثل متجر Kindle لأحدث الكتب باللغة العربية، حيث تتراكم عناوين في مختلف أصناف الأدب والرواية والرومانسية والسياسة والاجتماع، مثل “أنت وكل النساء” أو “عندما يزهر الربيع في قلبك” وغيرها من الأعمال التي ترى النور بصيغة E-book ويتم تحديثها ضمن قوائم العناوين الحديثة.
هذا التوسّع في الفضاء الرقميّ لم يأتِ من فراغ، بل يتقاطع مع ما يشهدهُ الناشرون العرب من وعي متزايد بأهمية التحوّل الرقمي. ففي حواراتٍ ثقافية ونقاشاتٍ ضمّتها فعالياتُ معرض الكتاب وأمسياتٌ ثقافية عربية، أشار خبراءُ إلى ضرورة استثمار التقنيات الحديثة في صناعة النشر، بما في ذلك تطوير الكتب الإلكترونية والابتعاد عن الاعتماد الحصري على الشكل الورقيّ، لأنّ التحوّل الرقمي قد صار واقعًا لا يُمكن تجاهله، والناشر مطالبٌ بانتقاء الأفضل من أدوات التوزيع الرقمية.
في السياق ذاته، تشهد المنطقة العربية تقدمًا في النشر الذاتي الرقميّ (Self-Publishing)، حيث تتوفّر دراساتٌ وأدلة متخصّصة مثل كتاب الباحثة فايزة آية الله عبدالملك “النشر الذاتي للكتب الإلكترونية.. الواقع والمستقبل”، الذي يقدّم دليلاً عمليًّا لكُتّابٍ وراغبي نشر كتبهم عبر منصّاتٍ إلكترونية، ويعرض تقنيات وبرامج متعدّدة وممارسات تساعد على إيصال العمل الرقمي للقارئ.
ومع كل هذا التحوّل، يتّضحُ أنَّ الكتاب الإلكترونيّ لم يعد خيارًا ترفيهيًّا أو ثانويًّا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في بنية صناعة المعرفة الرقمية، سواء لدى المهتمّين بالأدب العالميّ والعربيّ، أو لدى الشركات الإقليمية التي تعملُ على إنشاء محتوى عربيّ رقميّ مخصّص، أو لدى القرّاء الذين باتوا يتوقّعون وصول أعمال جديدة على أجهزتهم المحمولة بسهولةٍ وسرعة.
في الختام، يمكن القول إنّ سوق الكتاب الإلكتروني العربيّ في 2026 يعيش حالةً من النضج والاستقرار النسبيّ بعد سنواتٍ من التجربة والاختبار، إذ أصبحت المكتبات الرقمية والمنصات العالمية، جنبًا إلى جنب مع دور النشر الإلكترونية المحلية والإقليمية، ساحةً ديناميكيةً تتنافسُ فيها النصوص على حضورٍ رقميّ واسعٍ، يستجيب لمتطلّبات القارئ الحديث، ويعيدُ للنشر العربيّ موقعَه في خريطة المعرفة العالميّة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق