الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، فبراير 28، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( الكامل في اللغة والأدب ) إعداد عبده حقي


في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات حتى تكاد تفقد وزنها، نعود أحيانًا إلى كتبٍ تشبه الجبال؛ لا تهتزّ أمام العواصف، ولا تنحني أمام تغيّر الأزمنة. ومن بين تلك الجبال الشامخة يبرز كتاب الكامل في اللغة والأدب لمؤلفه اللغوي العباسي الكبير المبرد، كأنه صرحٌ من البيان، بُني حجرًا حجرًا من فصاحة العرب وبلاغتهم.

حين نفتح هذا الكتاب لا ندخل إلى صفحاتٍ جامدة، بل نلج إلى سوق عكاظ جديد، حيث الشعراء يتبارون، والخطباء يعتلون المنابر، والنحاة يختلفون في دقائق الإعراب كما يختلف الفلاسفة في مسائل الوجود. «الكامل» ليس مجرد كتاب في النحو، ولا مجرد مختارات أدبية؛ إنه مشهد حيّ للحياة العربية في أبهى تجلياتها.

المبرد، ذلك العالم البصري الذي عاش في القرن الثالث الهجري، لم يكن جامع نصوص فحسب، بل كان ذائقًا رفيع الحسّ. اختار نصوصه كما يختار الصائغ درره، فلم يترك في كتابه إلا ما رآه مثالًا للفصاحة والجزالة. ولذلك جاء «الكامل» كاملًا بالفعل؛ كاملًا في مادته، كاملًا في روحه، كاملًا في احترامه للعربية.

في هذا الكتاب نجد الشعر الجاهلي بصلابته الأولى، ونسمع صهيل الكلمات في قصائد الفرسان، ونشمّ رائحة الصحراء في استعاراتها. ونجد أيضًا شعر الإسلام والأمويين والعباسيين، حيث تتبدّل النبرة، وتتلوّن اللغة، لكنها تبقى وفية لجذرها العميق. وبين الشعر والنثر، تتجاور الخطب والأمثال والنوادر، في مشهدٍ يشبه فسيفساء لغوية متقنة.

وما يميز «الكامل» أنه لا يقدّم النصوص عارية من الشرح؛ بل يرافقها المبرد بعين النحوي وذوق الأديب. يفسّر، ويحلل، ويقارن، ويستشهد، فيحوّل القراءة إلى درسٍ حيّ في التفكير اللغوي. لا تشعر أنك تقرأ قواعد جافة، بل كأنك تشارك في مناظرة علمية في مجلس من مجالس بغداد، حيث تتقاطع الآراء وتعلو الحجة.

لقد كانت المدرسة البصرية في النحو تميل إلى الدقة والصرامة، والمبرد أحد أعلامها البارزين. ومع ذلك، لم يحبس اللغة في قفص القواعد، بل أطلقها في فضاء الأدب. في «الكامل» نرى كيف تتعانق القاعدة مع الشاهد، وكيف يخدم الشعر النحو، ويغذّي النحو الشعر.

هذا الكتاب يعلّمنا درسًا عميقًا: أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي هوية وذاكرة. كل بيت شعر فيه يحمل تاريخًا، وكل خطبة تختزن تجربة أمة، وكل مثلٍ شعبيّ يعكس حكمة قرون. لذلك، فإن قراءة «الكامل» ليست عودة إلى الماضي فقط، بل استعادة لثقةٍ مفقودة في قوة العربية وقدرتها على التعبير عن أدقّ المعاني وأعمقها.

ولعلّ أجمل ما في «الكامل» أنه يدرّب الذائقة. فالقارئ، وهو يتنقّل بين النصوص، يتعلّم أن يميّز بين العبارة القوية والضعيفة، بين الصورة المبتكرة والمكرورة، بين الأسلوب الجزلي والأسلوب المبتذل. إنه كتاب يُربّي الحسّ قبل أن يُغذّي العقل.

في زمننا هذا، حيث تتداخل اللغات، وتختلط الأساليب، نحتاج إلى مثل هذه الكتب كي نتذكّر الأصل. لا لكي ننغلق على التراث، بل لكي ننطلق منه بثقة. فالذي يعرف جذوره، لا يخشى الريح.

«الكامل في اللغة والأدب» ليس كتابًا يُقرأ مرة واحدة ثم يُركن على الرفّ. إنه رفيق درب للكاتب، ومرجع للباحث، ومدرسة للطالب، ومرآة لكل من يريد أن يرى العربية في أصفى صورها. كلما عدت إليه، اكتشفت فيه زاوية جديدة، ولمحة لم تنتبه إليها من قبل.

أصدقائي، إن تقديم هذا الكتاب اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل دعوة إلى استعادة الهيبة اللغوية. أن نكتب بوعي، وأن نختار كلماتنا كما كان يختارها الأوائل، وأن ندرك أن لكل لفظ وزنًا، ولكل تركيب موسيقى.

هكذا يظل «الكامل» حيًّا بيننا؛ لا كأثرٍ تاريخي، بل كنهرٍ جارٍ، نستقي منه صفاء العبارة، وننهل من معينه قوة البيان.

توقيع

عبده حقي

 


0 التعليقات: