الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، فبراير 28، 2026

الصحراء المغربية بين ضجيج الشعارات ومنطق الواقعية السياسية: عبده حقي

 


في كل مرة يقترب فيها ملف الصحراء المغربية من أفق حلٍّ سياسي جدي، يرتفع في الضفة الأخرى من النزاع صوتٌ مألوف يعيد تكرار العبارات نفسها: “حق غير قابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال”، “تجديد العلاقات الثنائية”، “اعتماد سفير هنا أو هناك”، واحتفالات رمزية في برلمانات جهوية بعيدة عن مركز القرار الدولي. إنها عناوين تُصاغ بعناية لتوحي بأن الزمن متوقف عند لحظة سبعينيات القرن الماضي، بينما العالم تغيّر، وتغيّرت معه موازين القوى ومفاهيم الحلول الواقعية للنزاعات الإقليمية.

إن الادعاء بأن “الشعب الصحراوي لا يزال ملتزماً بحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال” يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الأمم المتحدة نفسها، عبر مسار تفاوضي طويل، انتقلت من مقاربة استفتاءٍ غير قابل للتطبيق عملياً إلى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه. ومن هنا برز مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 باعتباره مبادرة شجاعة، تفتح الباب أمام تدبير ديمقراطي موسع لشؤون الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، مع ضمان تمثيلية حقيقية للسكان المحليين.

المغرب لم يكتفِ برفع شعارات، بل استثمر مليارات الدراهم في تنمية الصحراء المغربية: موانئ حديثة، طرق سريعة، مشاريع طاقات متجددة، جامعات، ومناطق صناعية. يكفي أن نتأمل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، أو البرامج التنموية الجديدة التي أطلقها الملك محمد السادس، لندرك أن الرهان المغربي هو رهان استقرار وازدهار، لا رهان شعارات عابرة في بيانات صحفية.

أما ما يُقدَّم على أنه “نجاحات دبلوماسية” من قبيل تقديم أوراق اعتماد سفير لدى أوغندا أو تجديد كوبا لعلاقاتها مع ما يسمى بالجمهورية الصحراوية، فهو في جوهره استمرار لدبلوماسية رمزية تعود إلى زمن الحرب الباردة. الاعترافات المجمدة في أرشيف السبعينيات والثمانينيات لا تُغيّر من حقيقة أن عدداً متزايداً من الدول سحب اعترافه، وأن القنصليات الأجنبية التي فُتحت في العيون والداخلة تمثل تحولاً نوعياً في التعاطي الدولي مع الملف.

ثم إن الاحتفال في برلمان إقليم الباسك، مهما كان صاخباً، يبقى فعالية ذات طابع محلي لا تُترجم إلى مواقف رسمية للدولة الإسبانية، التي باتت منذ 2022 تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لحل النزاع. الفرق شاسع بين قرار سيادي لدولة مركزية وبين نشاط تضامني في برلمان جهوي، مهما كانت رمزيته.

في هذا السياق، تبرز أهمية الوساطة الأمريكية التي شهدت في السنوات الأخيرة زخماً متجدداً. لقد شكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في ديسمبر 2020 منعطفاً استراتيجياً في مسار النزاع، ليس فقط من حيث الموقف السياسي، بل من حيث إعادة ترتيب أجندة الحل. الولايات المتحدة، بحكم وزنها الدولي وعلاقتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، تدفع نحو تسوية سياسية قائمة على الواقعية، بعيداً عن أوهام الانفصال التي أثبتت التجربة استحالة تنزيلها عملياً.

إن دعم واشنطن لمخطط الحكم الذاتي لا يعني إقصاء أحد، بل يعني الدفع نحو حل يحفظ ماء وجه الجميع، ويُنهي معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف، الذين ظلوا لعقود رهائن حسابات جيوسياسية. فالمسألة لم تعد قضية شعارات ثورية، بل قضية تنمية بشرية، وحق أجيال كاملة في التعليم والعمل والكرامة داخل فضاء مستقر.

وإذا كانت بعض العواصم ما تزال تلوّح بخطاب “الاستقلال الكامل”، فإنها في الواقع تعلم أن المجتمع الدولي يتجه نحو حلول توافقية، وأن أي كيان غير قابل للحياة اقتصادياً وأمنياً لن يجد مكانه في عالم تحكمه التكتلات الكبرى ومصالح الاستقرار الإقليمي. منطقة الساحل والصحراء تعيش تحديات إرهابية وأمنية معقدة، ولا يمكن إضافة بؤرة توتر جديدة باسم شعارات لم تعد تجد صدى خارج دوائر ضيقة.

المغرب، من جهته، يواصل نهج اليد الممدودة. الحكم الذاتي ليس مناورة سياسية، بل تصور دستوري ينسجم مع الجهوية المتقدمة التي اعتمدها المغرب في مختلف مناطقه. إنه عرض يمنح للسكان صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية، في إطار سيادة وطنية غير قابلة للتجزئة، كما هو معمول به في تجارب دولية عديدة.

إن تكذيب ما تروّجه بعض المنابر لا يقوم على الانفعال، بل على الوقائع: التنمية على الأرض، التحولات في المواقف الدولية، وتزايد القناعة بأن الحل الواقعي هو الحل الممكن. أما الاحتفالات الرمزية والبيانات المتكررة، فهي أشبه بمحاولة إنعاش سردية تتآكل تحت ضغط الزمن.

اليوم، تبدو المعادلة واضحة: هناك مشروع تنموي قائم، مدعوم برؤية سياسية واقعية، وتحظى بتأييد قوى دولية وازنة في مقدمتها الولايات المتحدة. وفي المقابل، هناك خطاب يعيد تدوير مفردات قديمة دون أفق عملي.

التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الجغرافيا إلى فضاء للعيش المشترك. والصحراء المغربية، بما تشهده من تحولات اقتصادية واجتماعية، تمضي بثبات نحو هذا الأفق، فيما يتراجع صدى الضجيج أمام منطق الواقع.


0 التعليقات: