الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، فبراير 28، 2026

تأملات روحانية (أَثَرُ النُّورِ فِي قَلْبِ الْغَيْبِ) عبده حقي


أَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ رُوحِي كَمَا يَجْلِسُ الْمَاءُ إِلَى ظِلِّهِ، أُصَافِحُ نَبْضِي وَأَقُولُ لَهُ: لَا تَخَفْ مِنْ عُلُوِّ السَّمَاءِ، فَإِنَّ السَّمَاءَ تُحِبُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ، وَتُخْفِي فِي كَسْرِهِ بَذْرَةَ الْأَبَدِ.

أَمْشِي إِلَى نَفْسِي كَمَنْ يَعُودُ مِنْ مَنْفًى طَوِيلٍ، أَحْمِلُ فِي جَيْبِي بَقَايَا دُعَاءٍ وَقَلِيلًا مِنَ الصَّبْرِ، وَأَتَعَلَّمُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ لَيْسَ خُطْوَةً، بَلْ نَفَسًا يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ انْكِسَارٍ.

فِي صَمْتِ اللَّيْلِ، أَسْمَعُ قَلْبِي يُرَتِّلُ آيَاتِ الضَّوْءِ، كَأَنَّ الْعَتَمَةَ تَسْتَعِيرُ مِنْهُ شُعَاعًا لِتُصْبِحَ أَقَلَّ وَحْشَةً، وَكَأَنَّ الْخَوْفَ يَنْحَنِي أَمَامَ سُجُودِ الْأَرْضِ.

أُحَاوِرُ الظِّلَّ فِي دَاخِلِي، فَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْعَتْمَةَ لَيْسَتْ عَدُوًّا، بَلْ مِرْآةٌ تُذَكِّرُنِي بِحَاجَتِي إِلَى نُورٍ أَعْمَقَ مِنْ عَيْنَيَّ، نُورٍ يَنْبُعُ مِنَ التَّوَكُّلِ وَيُزْهِرُ فِي الرِّضَا.

أَرْفَعُ يَدَيَّ كَأَنِّي أَزْرَعُهُمَا فِي السَّمَاءِ، أَنْتَظِرُ مَطَرًا مِنْ سَكِينَةٍ، وَأَعْرِفُ أَنَّ السَّكِينَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى مَنْ يُطَالِبُ بِالْمُعْجِزَاتِ، بَلْ عَلَى مَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا أَمَامَ الْحَقِّ.

أَتَأَمَّلُ وَجْهِي فِي مِرْآةِ الْوَقْتِ، فَأَرَى طِفْلًا يُصَلِّي بِعُيُونٍ مُنْدَهِشَةٍ، وَأُدْرِكُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكْبَرُ بِالْعُمْرِ، بَلْ يَنْضُجُ بِالتَّجْرِبَةِ وَيَتَطَهَّرُ بِالْأَلَمِ.

كُلَّمَا تَكَاثَرَتِ الْأَسْئِلَةُ فِي رَأْسِي، تَعَلَّمْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا سُلَّمًا نَحْوَ السَّمَاءِ، فَالْإِيمَانُ لَيْسَ إِجَابَةً جَاهِزَةً، بَلْ رِحْلَةُ بَحْثٍ تَتَغَذَّى مِنَ الشَّكِّ وَتَزْدَادُ صَلَابَةً بِالْيَقِينِ.

أُقَبِّلُ جَبْهَةَ الْوَقْتِ وَأُسَامِحُهُ عَلَى مَا أَخَذَ مِنِّي، فَالْخَسَارَةُ لَيْسَتْ نَقْصًا، بَلْ تَخْفِيفٌ لِحِمْلِ الرُّوحِ، وَكُلُّ مَا يَرْحَلُ يَتَحَوَّلُ إِلَى ذِكْرَى تُرَافِقُنِي كَظِلٍّ مُحِبٍّ.

أَجْلِسُ مَعَ الْوَحْدَةِ كَصَدِيقَةٍ قَدِيمَةٍ، فَتُعَلِّمُنِي أَنَّ الصَّوْتَ الْحَقِيقِيَّ يَخْرُجُ مِنَ الصَّمْتِ، وَأَنَّ الرُّوحَ تَكْتُبُ نَصَّهَا الْخَفِيَّ فِي دَفْتَرِ الْخَلَاءِ.

أُحِبُّ الْأَرْضَ لِأَنَّهَا تُصَلِّي بِنَبْتِهَا، وَتُسَبِّحُ بِمَائِهَا، وَتُعَلِّمُنِي أَنَّ الْقُرْبَ مِنَ اللهِ يَبْدَأُ بِالْقُرْبِ مِنْ تُرَابِي، وَبِفَهْمِ ضَعْفِي كَجُزْءٍ مِنْ كَوْنٍ يَتَنَفَّسُ بِي.

أَحْمِلُ فِي صَدْرِي مَسَاجِدَ صَغِيرَةً مِنَ الدُّعَاءِ، أُشْعِلُ فِيهَا قَنَادِيلَ الرَّجَاءِ، وَأَعْرِفُ أَنَّ الرُّوحَ إِذَا ضَاقَتْ تَتَّسِعُ بِالذِّكْرِ، وَإِذَا تَعِبَتْ تَسْتَرِيحُ فِي ظِلِّ الرَّحْمَةِ.

كُلُّ نَبْضَةٍ فِي قَلْبِي تُشْبِهُ جَرْسًا بَعِيدًا يُنَادِي عَلَيَّ: عُدْ، فَالْغُرْبَةُ لَيْسَتْ فِي الْمَكَانِ، بَلْ فِي نِسْيَانِ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي حُضُورِ الْحَقِّ.

أَتَعَلَّمُ مِنَ الْمَوْجِ أَنْ أَسْقُطَ وَأَقُومَ، وَمِنَ الرِّيحِ أَنْ أَتَحَرَّكَ بِلَا مَوْعِدٍ، وَمِنَ السَّحَابِ أَنْ أُعْطِي بِلَا اسْمٍ، فَالْعَطَاءُ هُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.

أَنْظُرُ إِلَى الْوُجُوهِ فَأَرَى مَلَامِحَ التَّعَبِ، وَأُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ صَرْحًا مِنَ الْخَوْفِ وَبُحَيْرَةً مِنَ الرَّجَاءِ، وَأَنَّ الرُّوحَ تَنْجُو إِذَا تَعَلَّمَتِ التَّوَازُنَ بَيْنَهُمَا.

أَكْتُبُ اسْمِي عَلَى رَمْلِ الْقَلْبِ، ثُمَّ أَمْحُوهُ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ لِلْأَسْمَاءِ، بَلْ لِلْأَثَرِ الَّذِي يَتْرُكُهُ الْحُبُّ فِي الطُّرُقَاتِ الْخَفِيَّةِ.

أُصَافِحُ الْأَلَمَ كَأَنَّهُ مُعَلِّمِي، فَيُخْبِرُنِي أَنَّ الرُّوحَ لَا تَصِيرُ نَقِيَّةً إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمُرَّ مِنْ بَوَّابَةِ الْخَسَارَةِ، وَأَنَّ النُّورَ يُولَدُ مِنْ شَقِّ الْجُرْحِ.

أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لِأَرَى أَوْضَحَ، فَالْبَصِيرَةُ لَا تَسْكُنُ فِي الضَّوْءِ الظَّاهِرِ، بَلْ فِي ظِلِّ التَّأَمُّلِ، حَيْثُ تَتَعَرَّى الْحَقَائِقُ مِنْ أَقْنِعَتِهَا.

أَسِيرُ خَفِيفًا كَأَنِّي أَتْرُكُ وَرَائِي أَثْقَالَ الدُّنْيَا، وَأُؤْمِنُ أَنَّ الرُّوحَ كُلَّمَا تَجَرَّدَتْ مِنَ الزَّائِدِ، اقْتَرَبَتْ مِنْ جَوْهَرِهَا الْأَصِيلِ.

أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ نَافِذَةً لِلنُّورِ، لَا جِدَارًا يَحْجُبُهُ، وَأَنْ أَكُونَ قَلْبًا يَسَعُ اخْتِلَافَ الْعَالَمِ، فَالرُّوحُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الَّتِي تُحِبُّ بِلَا شُرُوطٍ.

ختاما أَضَعُ يَدِي عَلَى صَدْرِي وَأَقُولُ: يَا قَلْبُ، كُنْ جَسْرًا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَاجْعَلْ مِنْ نَبْضِكَ سَبِيلًا إِلَى سَلَامٍ لَا يَنْطَفِئُ، فَالرُّوحُ الَّتِي تَعْرِفُ رَبَّهَا لَا تَضِيعُ.



0 التعليقات: