حين أذكر اسم أبو الطيب المتنبي أشعر أنني لا أتحدث عن شاعرٍ فقط، بل عن قامةٍ تمشي في التاريخ رافعةً رأسها، كأنها تعرف أن اللغة خُلقت لتسكن فيها. اسمه أحمد بن الحسين، وُلد سنة 915م في مدينة الكوفة بالعراق، في زمنٍ كانت فيه الدولة العباسية تتقاسمها الصراعات، وكانت المدن العربية تغلي بالأفكار والفتن والطموحات.
منذ طفولته، بدا مختلفًا. حفظ اللغة، وتمرّد على العادي، وأحب الشعر كما لو كان قدره. قيل إنه ادّعى النبوة في شبابه، ومن هنا لُقّب بـ“المتنبي”، لكن التاريخ لم يتوقف عند تلك الحكاية بقدر ما توقف عند موهبته التي كانت أكبر من عمره، وأكبر من مدنه، وأكبر من زمنه.
تنقّل المتنبي بين العراق والشام ومصر. كانت روحه تبحث عن المجد كما يبحث العطشان عن الماء. وفي حلب، وجد الأمير الذي فهم شاعريته: سيف الدولة الحمداني. هناك كتب أجمل قصائده في المدح والحماسة. لم يكن يمدح من أجل المال فقط، بل كان يرى في سيف الدولة صورة الفارس العربي الذي يحلم به.
في حضرة سيف الدولة قال:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
بهذا البيت وحده، صار المتنبي معلّمًا للحكمة. كلماته ليست مجرد قافية، بل قانون حياة: العزيمة لا تأتي إلا بقدر أصحابها.
لكن شخصية المتنبي لم تكن سهلة. كان معتدًّا بنفسه، يرى أنه وُلد ليكون الأول. يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
أي شاعر يجرؤ أن يقول هذا؟ إنه فخرٌ يصل إلى حد التحدي. المتنبي لم يكن يخجل من طموحه، بل كان يعلنه صراحةً، كأنما يريد أن يقول لنا: لا تعتذروا عن أحلامكم.
بعد سنوات المجد في حلب، تغيّرت العلاقة بينه وبين سيف الدولة، فغادر إلى مصر، حيث مدح كافور الإخشيدي. لكنه لم يجد هناك ما كان يبحث عنه من تقدير ومكانة. وعندما خاب أمله، تحوّل المدح إلى هجاءٍ لاذع، من أشهره قوله:
لا تشتري العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ
بيتٌ قاسٍ، يكشف جانبًا آخر من شخصية المتنبي: إذا أحبّ أحبّ بقوة، وإذا غضب غضب بشدة.
شعر المتنبي ليس كله مدحًا أو هجاءً. فيه حكمة عميقة ما زالت تتردّد حتى اليوم. من منا لم يسمع قوله:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
هذا البيت وحده يصلح رسالةً لشباب اليوم. لا ترضَ بالقليل. لا تجعل سقفك منخفضًا. النجوم ليست بعيدة إلا لمن يخاف الصعود.
كان المتنبي شاعر الكبرياء، لكنه أيضًا شاعر الألم. في بعض قصائده نشعر بوحدةٍ داخلية، وبصراعٍ مع العالم. يقول:
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
كم هو معاصر هذا البيت! كأنه كُتب في زمننا. صاحب الوعي يرى ما لا يراه الآخرون، ولذلك يتعب أكثر.
نهاية المتنبي كانت مأساوية. سنة 965م، وبينما كان عائدًا من بلاد فارس، تعرّض له قطاع طرق قرب بغداد. قيل إنه حاول الفرار، لكن أحدهم ذكّره ببيته الشهير:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
فعاد ليقاتل، حتى قُتل. هكذا أراد له القدر أن يموت كما عاش: فارسًا للكلمة والسيف معًا.
المتنبي ليس مجرد شاعر قديم ندرسه في المدرسة. إنه تجربة إنسانٍ آمن بنفسه إلى أقصى حد. أحب المجد، وطارد السلطة، وغضب، وفرح، وكتب، وخسر، وربح. في شعره نجد صورة الإنسان العربي في قوته وضعفه، في كبريائه وحنينه.
أحب في المتنبي تلك الجرأة التي تقول لنا: ارفع رأسك. تعلّم لغتك. اعتزّ بهويتك. لا تمشِ في الحياة منحنياً. كان يؤمن أن الكلمة تستطيع أن تصنع مجدًا يخلّد صاحبه بعد موته بألف سنة.
واليوم، بعد أكثر من ألف عام، ما زلنا نردّد أبياته في أحاديثنا اليومية، في خطاباتنا، في كتبنا، وحتى في منشورات مواقع التواصل. أليس هذا دليلًا على أنه انتصر على الزمن؟
أصدقائي في هذه الصفحة، إذا أردتم أن تقتربوا من المتنبي، لا تقرؤوه بسرعة. اقرأوه ببطء، بيتًا بيتًا. ستجدون أنفسكم بين سطوره. ستجدون طموحكم، وخيباتكم، وأحلامكم الكبيرة.
المتنبي لم يكن نبيًا كما زعم في شبابه، لكنه كان نبيًّا في الشعر. علّمنا أن اللغة يمكن أن تكون سيفًا، وأن البيت الشعري يمكن أن يعيش أطول من القصور والملوك.
وهكذا يبقى أبو الطيب المتنبي… شاعرًا كان يمشي أعلى من ظله، ويترك خلفه أثرًا لا تمحوه الرياح.








0 التعليقات:
إرسال تعليق