عادت أخبار المهاجرين—ومن بينهم المغاربة والعرب—لتتقدّم واجهة النقاش العام، لكن هذه المرّة بوجهين متوازيين: وجهٌ تشريعيٌّ يزداد صرامةً في بروكسيل، ووجهٌ إنسانيٌّ يزداد فداحةً على تخوم البحر المتوسط، وبينهما قصصٌ يوميّة تُكتب في مراكز الاستقبال، وعلى الحدود، وفي الإدارات المحلية التي تحاول “تدبير” واقعٍ أكبر من طاقتها.
على المستوى الأوروبي، كان الحدث الأبرز هو “الضوء الأخضر النهائي” الذي منحه مجلس الاتحاد الأوروبي لحزمة تدابير تُرادُ بها زيادة “فعالية” نظام اللجوء: اعتماد لائحة أوروبية مشتركة لـ“البلدان الآمنة الأصل”، وتعديل مفهوم “البلد الثالث الآمن” لتشديد قواعد المقبولية وتسريع البتّ في الملفات. الأهم في الرسالة السياسية هو أن هذه التغييرات ستبدأ عملياً في 12 يونيو 2026 بالتزامن مع دخول أجزاء أساسية من “ميثاق الهجرة واللجوء” حيّز التطبيق.
وبينما ترى مؤسسات الاتحاد أن التسريع يحدّ من الطلبات “غير المؤسسة”، تحذّر منظمات حقوقية من أن توسيع منطق “البلدان الآمنة” قد يضغط على حقّ طلب اللجوء نفسه، ويُعرّض فئات هشة لخطر الإرجاع أو “التدوير” نحو مسارات غير واضحة الضمانات.
غير أن القوانين، مهما اشتدّت عباراتها، لا تُطفئ البحر. ففي الأيام نفسها، تصاعدت الأخبار القاتمة عن الغرق والاختفاء في المتوسط. المنظمة الدولية للهجرة تحدثت عن مأساة قبالة اليونان (كريت) مع عشرات القتلى أو المفقودين في حادثة واحدة، ضمن سياق أوسع وصفته الوكالة بأنه بداية سنة “شديدة الدموية” على الطريق المتوسطي.
وبالتوازي، أعادت تقارير إعلامية دولية التذكير برقم صادم: أكثر من 606 مهاجرين قُضوا أو فُقدوا في المتوسط منذ مطلع 2026، وهو رقمٌ يضغط على الضمير الأوروبي بقدر ما يختبر فعالية سياسات الردع.
أما بيانات مفوضية اللاجئين فتُظهر استمرار وتيرة الوصول بحراً وبرّاً إلى أوروبا خلال 2026، بما يعكس أن “الجاذبية/الدفع” لا تزال أقوى من الحواجز، وأن مسارات الهجرة تتكيّف أكثر مما تنكسر.
وفي الضفة المقابلة للمتوسط، برزت إسبانيا كنقطة تجمع لثلاثة خيوط: الحدود، والقانون، والعمل. فمن جهة، تداولت منصات متخصصة في شؤون الهجرة ضغطاً متزايداً على مركز استقبال المهاجرين في سبتة مع ارتفاع أعداد الواصلين من اتجاه المغرب منذ بداية السنة، بما في ذلك قاصرون، وهو مؤشرٌ على أن “النافذة الصغيرة” بين الطقس والفرص وشبكات التهريب ما تزال تُفتح من حين لآخر.
ومن جهة ثانية، يستمر صدى قرار مدريد (المُعلن أواخر يناير) بشأن تسوية أوضاع شريحة واسعة من المقيمين غير النظاميين عبر مرسوم، وهي خطوة تُقدَّم باعتبارها استثماراً في سوق الشغل وتقليصاً للاقتصاد غير المهيكل—حتى لو لم تكن الفئة الأكبر من المغاربة والعرب هي المستفيد الأول مقارنةً بمهاجري أميركا اللاتينية، وفق ما ذكرته تقارير دولية.
وفي الخلفية، تُبرز تصريحات رسمية إسبانية فكرة “التعاون الوثيق” مع المغرب في تدبير تدفقات الهجرة، باعتبارها ركناً ثابتاً في معادلة غرب المتوسط: الأمن والاقتصاد والحدود في سلة واحدة.
أما في شمال أوروبا، فقد حمل الأسبوع المنصرم مثالاً دالاً من بلجيكا: خبرٌ أوروبي رسمي تحدّث عن رفع رسم طلب اكتساب الجنسية من 150 يورو إلى 1000 يورو ضمن إجراءات تُشدّد شروط الاندماج والوصول إلى المواطنة. مثل هذه القرارات، وإن صيغت بلغة “المسؤولية الفردية”، تُترجم يومياً إلى قلقٍ داخل الجاليات المغاربية والعربية: هل يصبح الاندماج مساراً أغلى مادياً وأكثر تعقيداً إدارياً؟ وهل تُدفع فئاتٌ واسعة إلى هامش قانوني أطول؟
ما يمكن استخلاصه من حصاد الأسبوع الأوروبي الأخير أن ملف المهاجرين المغاربة والعرب يتحرك على ثلاث طبقات متداخلة:
-
طبقة السياسة الأوروبية التي تريد نتائج سريعة في اللجوء والعودة قبل صيف 2026.
-
طبقة الحدود حيث تظهر سبته/كناريا/وسط المتوسط كبقع اختبار يومي للمخاطر وقدرة الإنقاذ.
-
طبقة الحياة المدنية داخل الدول الأعضاء: رسوم جنسية أعلى هنا، وإصلاحات إقامة هناك، ونقاشات لا تنتهي حول “من يستحق البقاء” و”من يدفع الكلفة”.
وبين الطبقات الثلاث، يظلّ المهاجر—المغربي أو العربي—ليس رقماً في بيانٍ رسمي، بل إنساناً يحمل في جيبه ورقةً ناقصة، وفي قلبه وعداً كاملاً: أن يُعامل بكرامة، وأن تُقاس السياسات بميزان العدالة لا بميزان الخوف وحده.







0 التعليقات:
إرسال تعليق