الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 25، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( عمارة يعقوبيان) إعداد عبده حقي


هناك روايات تُقرأ، وروايات تُعاش. و"عمارة يعقوبيان" هي من الصنف الثاني؛ نصٌّ لا يكتفي بأن يحكي حكاية عمارة في قلب القاهرة، بل يحوّل البناية إلى مجازٍ واسعٍ عن وطنٍ يتصدّع من الداخل، وعن مجتمعٍ يتنفس بصعوبة بين الطموح والخيبة.

كتبها الروائي المصري علاء الأسواني في مطلع الألفية الجديدة، فبدت كأنها جرس إنذار أدبي مبكر، التقط ارتعاشات ما كان يتخمّر في الأعماق. تدور أحداث الرواية في بناية عتيقة بشارع طلعت حرب في وسط القاهرة، شُيّدت في ثلاثينيات القرن الماضي على الطراز الأوروبي، وكانت في زمنها عنواناً للأناقة والطبقة الراقية. لكن السنوات مرّت، وتبدّلت الأحوال، فصعد إلى السطح – حرفياً – سكانٌ جدد من طبقات مسحوقة، وأصبح السطح عالماً موازياً، يختصر التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها مصر.

العمارة في الرواية ليست حجارةً وإسمنتاً فقط؛ إنها كائن حيّ، ذاكرةٌ طبقية، وأرشيفٌ للأحلام المؤجلة. بين شققها وشرفاتها نلتقي شخصيات متباينة: أرستقراطي عجوز يتشبث بماضيه، شاب فقير يحلم بالترقي الاجتماعي، فتاة تبحث عن كرامتها وسط قسوة الحاجة، مسؤول فاسد يختبئ خلف نفوذه، ومتدين ينجرف نحو التشدد تحت ضغط الإقصاء والمهانة. كل شخصية تمثل شريحة، وكل شقة مرآة، وكل طابق درجة في سلّم اجتماعي مائل.

بأسلوب واقعي مباشر، لا يخلو من جرأة، يضع الأسواني إصبعه على جراحٍ مفتوحة: الفساد الإداري، استغلال السلطة، التفاوت الطبقي، تسييس الدين، وازدواجية الخطاب الأخلاقي. لا يقدّم خطاباً وعظياً، بل يترك الشخصيات تتكلم، تتعثر، تسقط، وتكشف تناقضاتها. وهنا تكمن قوة الرواية: في قدرتها على جعل القارئ شاهداً لا قاضياً، متورطاً في الأسئلة بدل أن يكون مطمئناً إلى أجوبة جاهزة.

أحد خيوط الرواية اللافتة هو صعود التطرّف من رحم الإحباط الاجتماعي. الشاب الذي يُرفض في كلية الشرطة بسبب وضعه الطبقي، لا لأنه أقل كفاءة، يجد نفسه مدفوعاً إلى فضاء آخر يمنحه الاعتراف والكرامة ولو بشكل متشدد. هنا لا يبرّر الكاتب، لكنه يفسّر؛ لا يبرّئ، لكنه يضيء السياق. وكأن الرسالة تقول: حين يُغلق المجتمع أبوابه العادلة، تفتح الأبواب المعتمة.

وفي المقابل، نرى صورة الفساد الناعم، ذلك الذي يرتدي بدلة أنيقة ويتحدث بلغة الوطنية. شخصيات نافذة تستغل مواقعها لتصفية الحسابات أو لتحقيق مصالح شخصية، في مشهد يذكّر بأن الخلل ليس في الهامش فقط، بل في القلب أيضاً. العمارة، بهذا المعنى، تصبح مختبراً أخلاقياً: من يصعد؟ من يهبط؟ من يبقى عالقاً بين الطابقين؟

لغة الرواية سلسة، قريبة من نبض الشارع، لكنها محمّلة بدلالات عميقة. يعتمد الأسواني على تعدد الأصوات، فيمنح كل شخصية مساحةً لتبرير أفعالها أو الاعتراف بخطاياها. لا وجود لبطلٍ مطلق؛ الجميع بشر، بضعفهم ورغباتهم وأخطائهم. وهذا ما يمنح العمل طابعاً إنسانياً صادقاً، بعيداً عن التبسيط.

نجاح الرواية لم يكن محلياً فحسب؛ فقد تُرجمت إلى لغات عديدة، وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 2006، ما رسّخ حضورها في الوعي الثقافي العربي. لكنها، قبل كل شيء، أحدثت نقاشاً واسعاً داخل مصر حول حدود الجرأة في الأدب، وحول العلاقة بين الرواية والسياسة. لقد كسرت حاجز الصمت، وفتحت باباً لكتابةٍ لا تخشى الاقتراب من المسكوت عنه.

من منظوري وأنا أقرأها وأفتش دائماً عن تمفصلات الهوية والسلطة – تبدو "عمارة يعقوبيان" كأنها "دار عبيد" أخرى، ولكن بصيغة مصرية؛ بنايةٌ تختزن تاريخاً من التراتب الاجتماعي، حيث لا يكون اللون وحده علامة الفارق، بل الانتماء الطبقي أيضاً. في الحالتين، العمارة ليست مجرد مكان، بل بنية ذهنية: من يملك السقف يملك الصوت، ومن يسكن السطح يكتفي بالصدى.

الرواية تذكّرنا بأن المدن ليست بريئة؛ شوارعها تحفظ الأسرار، وعماراتها تشهد على تحولات القيم. وسط القاهرة، التي كانت رمزاً للحداثة، تتحول في النص إلى مسرحٍ لتآكل تلك الحداثة. الأرستقراطية القديمة فقدت بريقها، والطبقة الوسطى تتآكل، والفقراء يتكدسون فوق الأسطح، والدين يُستدعى أحياناً كملجأ وأحياناً كسلاح.

ومع ذلك، لا تخلو الرواية من ومضات إنسانية دافئة: لحظات حب، صداقة، حنين، وتمسك بالأمل ولو كان هشّاً. كأن الأسواني يقول لنا إن الخراب ليس قدراً نهائياً، وإن في القلب متسعاً لمقاومة العتمة.

"عمارة يعقوبيان" ليست مجرد حكاية عن بناية في القاهرة؛ إنها تشريح لمرحلة تاريخية، وتأمل في معنى العدالة والكرامة. إنها دعوة إلى أن ننظر في مرايانا الجماعية بلا خوف، وأن نعترف بأن العمارة التي نسكنها – أيّاً كانت أوطاننا – تحتاج إلى ترميم عميق، لا في جدرانها فقط، بل في قيمها أيضاً.

وهكذا، تظل الرواية علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر؛ نصاً استطاع أن يحوّل المكان إلى فكرة، والشخصيات إلى أسئلة، والعمارة إلى وطنٍ مصغّر، يختصر الحلم والانكسار معاً.



0 التعليقات: